وتذكَّر قاتل المائة نفس لما تاقت نفسه للتوبة وذهب إلى العالم، فقال: «هل لي من توبة؟ قال: نعم، ولكن أرضك أرض سوء فاخرج منها». فلما كان القاتل صادقًا وعازمًا على التوبة خرج، لكن من الناس من يقول: أريد أن أتوب فيتوب ساعة، ثم يعود بعد ساعة؛ لأن التوبة الصادقة هي العزم على عدم العودة إلى الذنب.
ومن هنا نقول لكل من أضاع الصلوات وتجاوز حدود الله، وأكل الربا، وقطع رحمه، وزنى، وسرق، وتتبع عورات المسلمين، وعادى أولياء الله الصالحين، نقول: إن التوبة وطاعة الله أهون من لبس الحديد وشرب الصديد، وقد ضرب نبينا عليه الصلاة والسلام مثلاً للتائب بأنه مثل رجل ركب ناقته فدخل صحراء مدوية، ليس فيها أحد ولا شجر ولا جبل، ولا يعرف غربها من شرقها، فنام، فلما استيقظ وجد راحلته قد ذهبت وعليها طعامه وشرابه، فأخذ يبحث عنها يمنةً ويسرةً فلم يجدها، فنام من شدة اليأس، فلما أفاق وجدها عند رأسه فقال من شدَّة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»؛ أخطأ من شدة الفرح.
فالله أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا براحلته بعد اليأس، وتذكَّر شيئًا أضعته ثم وجدته؛ كيف يكون فرحك؟ لكن لماذا يفرح الله بتوبة عبده؛ لأنه يحبك، فرح إحسان وفضل منه، خلق آدم بيده، وأسجد له ملائكته، وحمل بني آدم في البر والبحر، وفضَّلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه؛ لكن إذا تمرَّد العبد على الله وعصى أوامره وغرَّه إمهال الله له، فما بقي له إلا علاج نار جهنم؛ لأن آخر العلاج الكي، ومن عَدْلِ الله أن هذا العذاب لا يكون إلا بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب وتتابع النذر، وأخذه بالحسنات والسيئات لعله يرجع؛ فإن أصرَّ ولم يزده إمهال الله إلا طغيانًا وكفرًا، فالنار النار وبئس المصير.