تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيا أيها العاقل عن نفسه المغرور بما في هذه الحياة من ملهيات ومغريات وفتن وشهوات، إن الله جعل النار سجنًا لمن عصاه وتمرَّد على أوامره ونواهيه، وهذا السجن ليس كسجن الدنيا؛ ففي سجن الدنيا تجد الساقي إذا ظمئت، وتجد الراحة إذا تعبت، وتجد الفراش إذا نمت، وتتصل على أهلك إذا اشتقت؛ أما نار جهنم فهيهات هيهات أن تجد الراحة فيها أبدًا؛ فليس فيها شيء من هذا كله ولا ما يقاربه؛ بل يسكنه الله دارًا ضيقة الأرجاء، لا يسمع فيها النداء، ولا يرحم فيها البكاء، وما هم منها بمخرجين.

وإليك بعض ألوان العذاب في هذا السجن لتعرف الفرق بين السجنين، أجارنا الله من جهنَّم وما يقرب إليها من سوء:

كيف يخرجون من قبورهم ويساقون إلى هذا السجن؟ يقول الله تعالى: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾ [الزمر: 71]؛ فتسوقهم الملائكة رجالاً ونساءً سَوْق الدواب وقطع الغنم زجرًا وضربًا، ولهم بكاء وصراخ وأهوال وغموم وحسرات وزفرات، فلا يدرون إلى أي جهة يتجهون؟ وهذا في الحقيقة صعب على الإنسان أن يُقاد إلى مكان لا يعلم الجهة التي يؤخذ إليها، فإذا وصلوا أمام جهنم وهم فزعون يدفعون فتحت أبوابها السبعة، وزفرت زفرة طيرت عقولهم من رؤوسهم، ثم تلفح وجوههم النار، ويستقبلهم لهبها؛ تصور لو وقفت أمام نار الدنيا وبينك وبينها مسافة ألا تحس بحرارتها؛ فإذا بعُدت منها خفَّت حرارتها، قد يكون بينك وبينها متران أو خمسة أمتار وتجد لفحها، ولكن نار الآخرة تصل حرارتها على بُعد مائة سنة، قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ [الفرقان: 12]. قال: من مسيرة مائة عام فتشوي وجهه، فكيف بمن وقف على أبوابها ووقع فيها.

نافذة على داري النعيم والجحيم · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نافذة على داري النعيم والجحيمص ١٩