وقد أحببت أن أكتب هذه المذكرة «نافذة على النار»؛ وصغتها على شكل بحث، قلتها بلساني وقيدتها ببناني؛ قصدت بها وجه الله ونفع إخواني؛ ليقف المسلم على أهوال النار ويطول فكره فيها؛ فإن من طال فكره في أهوال النار خاف على نفسه فاتقى الله ووقف عند حدوده وأدَّى فرائضه؛ فقد خلق الله الجنة وجعلها لمن أطاعه ولو كان عبدًا حبشيًّا، وخلق النار وجعلها لمن عصاه ولو كان حرًّا قرشيًّا، وقد ضمن الله لمن خافه في الدنيا أن يؤمِّنه يوم القيامة، ومَنْ أمن الله في الدنيا فارتكب حدوده أخافه الله يوم القيامة؛ ولست أعني بالخوف رقَّة كرقَّة النساء تدمع العين ويرق القلب حال السماع، ثم تنساه عن قرب وتعود إلى لَهْوك ولعبك وعنادك لربِّك، لا ثُمَّ لا؛ ولكن مَنْ خاف شيئًا هرب منه، ومن رجا شيئًا طلبه، فلا ينجيك إلا خوفٌ يمنعك من المعاصي ويحثُّك على فعل الطاعات.
إن النار ليس لأحد صبر عليها، ولا لأحد عليها طاقة ولا قوة؛ فليست مصيبتها كالمصيبات، ولا حُزن أهلها كالأحزان، نبؤها عظيم، وشأنها خطير، وحزنها فظيع، وقعرها بعيد، وحرُّها شديد، وحليها حديد، وشرابها صديد، ولا يغفل عن الفرار منها والتعوذ من عذابها إلا سفيه أحمق خاسر؛ خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
وجهنم – أجارنا الله منها – هي دار العذاب وعالم الشقاء؛ العذاب فيها أنواع متنوعة وصنوف مصنفة، وقد جمع الله فيها من صنوف العذاب وضروب الشقاء ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر.