2 - استراتيجية النص
وهي النسيج الذي يهيئ "شروط التلقي" ويقيم العلاقة بين السياق المرجعي وبين القارئ لكي يتم لحم الأجزاء المنفصلة، فهي تمثل التوجيهات العملية التي تقدم للقارئ مجموع احتمالات ترافقية يستطيع أن يتكئ عليها في فعل القراءة. ولكي نأخذ فكرة عن أهمية وفعالية استراتيجيات النص، فإن إيزر يضرب لنا المثل بعملية القيام بتلخيص أي عمل أدبي أو حتى بشرحه، ويعتبر أن ما يفقده العمل حقيقة هو التنظيم الاستراتيجي المميز الذي يربط بين عناصر السجل ويثبت التمفصلات البانية. إن النص إذن يرسم خطة محكمة لمعالم الموضوع، لكنها خطة دينامية توجه القارئ وترشده أثناء عبوره للنص؛ وتمنكه من اكتشاف الإطارالمرجعي الذي يمكن أن يجمع بينهما.
3 - مواقع اللاتحديد
وهي البياضات والفراغات والانقطاعات الموجودة عنوة في النص، والتي تسمح للقارئ بالتدخل كي يملأها ولذلك يسميها إيزر "الفراغ الباني" ويمكن أن تشمل:
- الانفكاكات التي تدعو القارئ إلى وصلها
-إمكانية الانتفاء التي تدعو إلى التعصب ضد بعض ما يقدمه النص كحقائق أو مسلمات، وتحفز القارئ على التفكير والبحث عن التلاؤم وإيجاد الوضعية المشتركة. ولذلك يرى إيزر أن المعنى ينبني وفق قوانين تؤسس في غمار القراءة، وأن الانتفائية هي أساس التواصل أو الحوارالإيجابي بين النص والقارئ. ويمكن أن تتمثل الانتفائية في الشكل حيث تبيح عدة افتراضات، كما تتمثل في المحتوى حيث تثير الانتباه إلى الأصل المخفي أوالعناصرالغائبة. ومن جهة أخرى فإن إيزر يميز بين بياضات وصلية يغفلها النص ليستخلفه القارئ في ترميمها، وبين بياضات فصلية هي حاصل العلاقة بين المكتشَف والمستكشَف في النص أو ما يسميه إيزر بالموضوعة thème والأفق horizon وهو المكان الفارغ من المعنى أو الخلفية المجردة من التلاؤم الموضوعاتي (1985 - 363).
4 - بناء الإطارالمرجعي
إن النص الأدبي يفرغ عناصر السجل من تداوليتها ولذلك يجد القارئ نفسه وهو في مواجهة النص بدون إطار مرجعي مشترك مع ما سيقرأه. وهنا تبدأ الحاجة إليه كعنصر ضروري لتحيين المقامات التداولية والاشتراك مع الكاتب في بناء المعنى أو الموضوع الجمالي سواء بسواء. ومن المنتظر أن النص يتجه وجهة تخالف ما يتوقعه القارئ لكنه يستطيع استثمار ما يلوح به مما سينتج خلال مدة القراءة.
التفاعل بين القارئ والنص
إن الشيء الأساس في قراءة العمل الأدبي، حسب هذه التوجهات، هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه ولذلك ينبغي التركيز في نفس الوقت على تقنيات الكاتب وعلى الأفعال المرتبطة بالتجاوب مع النص الذي يستمد حيويته من القراءة الفاعلة التي تتجاوز المتواليات اللفظية إلى ما ينشأ عن تجميعها ومقارباتها من دلالات ملازمة وغير ملازمة. وهذا ما يدعو إلى التمييز بين طبيعة الشكل وطبيعة الإدراك؛ فالشكل بنية منفتحة على السياق لكن لحظة الإدراك تجعلها منغلقة على معنى بعينه يحدده القارئ الذي لا بد أن يُرسي على معنى متماسك وقابل للإدراك (نفسه، ص. 226). إن المعنى لا يكمن في الانتظارات والمفاجآت والخيبات، وإنما في رد فعل القارئ الذي يمكٌنه من أن يعيش النص كحدث واقعي (نفسه، ص. 233).
وبما أن القارئ لا يستطيع أن يحاور النص حوارا مباشرا يغطي الفراغات والانكسارات التي تعرقل التفاهم والتواصل الكامل كما هو الشأن بين الناس، فإنه يجد فرصته في البياضات أو مواقع اللاتحديد التي يهيئها النص ويتدخل كشريك للمؤلف في تشكيل المعنى. وهذا التدخل يكون بالعمل على سد الثغرات وتكوين الحقل المرجعي وتحويل مواقع اللاتحديد، الشيء الذي يرسم وجهة النظر وفق متغيرات النظام التوافقي للنص ووفق ترابط سلسلة الفراغات البانية المتناوبة. وهذا يعني أن القارئ وإن لم يكن مستجديا للنص فقط، فهو مرهون باستراتيجياته التي تحرضه على الفعل في اتجاه معين. ولذلك يشرح إيزر كيفية اشتغال الاستراتيجيات النصية في توجيه القارئ وفي كبح جماح التأويل، فهو يتكئ على مبدأ المنظور أو المتوقع الذي تقوم عليه القراءة والذي يحدد الكيفية التي يكتشف بها القارئ النص ويتحاور معه.