1 - الشعرية، وهي النزعة الجمالية التي تُطمئن الإنسان وتبعث لديه السكينة التي يبحث عنها في عالمه المدهش.
2 - الإدراكية Aisthésis وهي مساعدة الفن على تجديد إدراك الأشياء، بمعنى أنه يقوي المعرفة الحدسية ويساهم في تغيير وجه العالم.
3 - التطهيرية Catharsis أو التماهي الجمالي الذي يساعد الإنسان على التحرر من سلطة المعتاد وعلى الانفلات من قيود الواقع ومن ضغوط الحياة العملية بالاندماج في الفن وفي نماذجه العليا.
وبهذه الحركية يمكن لجدلية التلقي أن تكون منتجة وأن تكون مجددة ومتجددة وأن تمثل السيرورة التاريخية الحقيقية في علاقات المؤلفات بالقراء وعلاقة القراءات السابقة بالقراءات اللاحقة. على أنها في هذا المستوى لا تستطيع الانفلات من الذاتية، ولو أن ياوس يجعل التكوين التاريخي لأفق الانتظار يقع بين الفهم الذي يقدمه إدراك العمل وبين الفحص الموضوعي للقراءات والتلقيات الذي ينتهي عند قراءته هو. وهذا يعني أنه يهتم بفعل التلقي أكثر مما يهتم بالتأثيرالجمالي، وهو نزاع إلى تفضيل الدائرة الخارجية Macrocosme للتلقي في بعدها التأريخي على الدائرة الداخلية Microcosme للوقع في بعدها الآني والذاتي على حد تعبير بعضهم. (4)
فعل القراءة وبناء المعنى عند وولف گانگ إيزر (5)
لم يهتم إيزر بما هو متكون وإنما بما يمكن أن يتكون، أي بتشكل النص في وعي القارئ الذي يسهم في بناء معناه. ولذلك اعتبر أن للأدب قطبين، هما القطب الفني وهو النص كما أبدعه المؤلف، والقطب الجمالي وهو التفعيل الذي ينتجه القارئ. وهذا يعني أن الإنتاج الأدبي لا يتطابق مع النص الأصلي ولا مع القراءة، وإنما هو الأثر الذي يحدث نتيجة تفاعل القارئ مع ما يقرأه، ومن ثم لا ينبغي البحث في النص عن معنى مخبوء، وإنما ينبغي استطلاع ما يعتمل في نفس القارئ عندما يقرأ. وهو إذ يقرأ فإنما يقرأ على هدى من النص، وبإرشاد الترسيمات التي يوفرها له والتي تتكفل القراءة بتنفيذها. فهو إذن قارئ مُقَدر في بنية النص ذاته. "إنه البنية المحايثة للمتلقي" أو "شروط التلقي" التي يهيئها النص الأدبي لمجموع قرائه المحتملين. ولذلك فالنص عند إيزر"نظام تركيبي توافقي قد خصص فيه مكان للشخص المكلف بتحقيق تلك التوافقات فيه". وبهذا الاعتبار فالنص المصوغ يتضمن دائما نصا آخر ينم عنه، والقارئ وحده هو الكفيل بإظهاره وإخراجه. في هذا الازدواج يوفر الكاتب منبعا للتعددية السيمانطيقية الخاصة بالإنتاج الأدبي. بمعنى أن ما لم يقله النص ويكلف به القارئ هو "بنية إبداعية" عليها تقوم حرية المتلقي في التأويل لكنها حرية محدودة لأنها مراقبة وموجهة. وإذن فهذا القارئ الذي ينتظره النص وقد خصص له مكانة ودورا في بنيته الأصلية، يهدف إلى تحقيق غرضين مزدوجين ومتكاملين هما تحقيق النص وبناء معناه أو أحد معانيه، وتحقيق الذات وبناء كيانها، وهذا النشاط القرائي الذي ينفع فيه القارئ وينتفع به يتم من خلال تشغيل مجموعة من المحفزات التي تحرك عملية التلقي وتطلق ديناميتها المسترسلة.
وهذا معناه أن بناء المعنى ناتج عن تدخل القارئ الذي هو "بنية تجريدية" موجودة في النص أصلا. لكن هذا التدخل لا يتم إلا من خلال تشغيل بعض الميكانيزمات النصية مثل "السجل" و"الاستراتيجية" و"مواقع اللاتحديد" و"بناء الإطارالمرجعي".
1 - سجل النص
وهو كل ما يعتبر بمثابة المواد الأولية للبناء ويعود من خارج النص إلى داخله مثل النصوص السابقة ومثل الأعراف والقيم الاجتماعية أوالثقافية التي يسميها إيزر بالسياق السوسيوثقافي العام الذي ينبثق منه النص (1985 - 128). وهذه المواد أوالسجل المنتقى يتحمل أثناء دمجه في النص "تشويها متجانسا" يغير طابعه تغييرا محسوسا ويُفقده بعده التداولي، ذلك أن من شأن العنصرالمألوف أن يفقد مرجعيته الأصلية حينما يمتصه النص، ولا تقوم له دلالة إلا في نطاق التشكل النصي ذاته، وبذلك يصبح المألوف غير مألوف باعتباره عنصرا نصيا مركبا وعلى القارئ الكفء أن يعيد تقويم الأشياء وترتيب العناصر بقصد تحقيق التواصل وبناء البعد الجمالي المطلوب.