خاتمة
وإذن ففعل القراءة أو إواليات بناء المعنى وإنتاج الدلالة التي استخلصها إيزر تصب كلها في مفهوم المشاركة واستحلاب النص الذي هو قادر على استقطاب القارئ ودفعه إلى تحقيق هويته وبناء معناه. الشيء الذي يجعل العمل الأدبي شركة بينهما ولا يبلغ مداه إلا بتعاونهما. وهكذا تعتبر مفاهيم إيزر في "فعل القراءة " مكملة لمفاهيم ياوس في "تحطيم أفق الانتظار" وإعادة كتابة تاريخ الأدب، ولمفاهيم إيكو في حدس القارئ المتعاون بعوالم النص الممكنة واستشراف آفاقه المرتقبة وللممارسات الإيروسية للقارئ البارتي في مغازلة النص والتوحد في رحاب القراءة الكتابة والكتابة القراءة.
وإذا كان من جامع بين هذه التوجهات فهو التقاؤها على احترام القارئ وإعادة مكانته الضرورية ودوره الفعال في فك عقال النص وإطلاق إشعاعيته الإبداعية وإن أخذ عليها المبالغة في الذاتية وتكريس ما يسمى بذرائعية التلقي التي قد تنتهي إلى نوع من الاستخفاف الوهمي الذي يتكون لدى القارئ فيحجب النص لصالح ما هو بعد النص، أو يقوم بنوع من التواطؤ الساذج الذي يقرب المسافة بأقل جهد ممكن فيجعل القراءة أقرب ما تكون إلى الاستهلاك الفج منها إلى الإنتاج المبدع (6).
كما أن الاهتمام بالوقع الجمالي فقط في فعل القراءة، والبحث عن كيفية التقبل واعتبار التلقي عملية بناء جديدة، يحد في نظر البعض من أبعاد النص التكوينية ولا سيما البعد السوسيوثقافي الجدلي حيث يمثل الإنتاج "العنصر الشامل" الذي ينتج الموضوع وكيفية استهلاكه معا، ويعطي أهمية لما قبل التلقي ولما يمكن للعمل أن يقوم به من وظائف. واعتبارا لما تقول به الثقافة الاشتراكية مثلا فإن وظيفة الأدب التشكيلية (أو التخييلية) توازي وظيفته التمثيلية (أو التعبيرية) ومن ثم فحرية القارئ وعملية القراءة لا بد أن تكون مقيدة بالخصائص الموضوعية للعمل الأدبي نفسه. وإذا اعتبرنا أن العمل هو الوجه الموضوعي للإنتاج، وأن القارئ هوالوجه الذاتي فإن فعل القراءة يكون مترتبا عن تكامل الوجهين اللذين لا يوجد أحدهما دون الآخر. وعليه فإن مهمة مؤرخ الأدب الحاسمة ليست فقط في >إثبات أن جميع معايير التأويل هي مجرد توسعات مشروعة للممكنات النصية اللامحدودة، وإنما هي في تنسيب التأويلات المحددة بالرجوع إلى أصل التكوين التاريخي للموضوعية ... < (7).
وهكذا يأخذ فعل القراءة بعده التداولي والمرجعي لأن الأمر لا يتعلق بصدمة أوبوقائع جمالية فحسب وإنما بقابلية للفهم " intelligibilité" وبإدراك صحيح، والقارئ المثالي ليس هو القارئ الذي يستمتع فقط بتحطيم مستمر لأفق انتظاره الأدبي بواسطة أفق أحدث أو في طورالتكوين، وإنما هو القارئ الذي يتعامل مع المشروع الموضوعي ولا يلغيه بمجرد ظهوره. (8).
وعلى كل حال فالقارئ الكفء هوالوريث الشرعي للنص، والنص هو ما يتشكل في فهمه ووعيه، ومن ثم فعملية القراءة البناءة هي عملية استكشاف وتحاور وتعارف وتحريك للإنتاجية والإبداع من خلال التفاعل التوليدي بين إمكانيات النص وقدرات القارئ ومعارفه.
الهوامش
*جزء من البحث الذي قدم لمؤتمر النقد الأدبي السابع جامعة اليرموك، إربد، الأردن 20 - 22 - 7 - 1998
1 - استفدنا في طرح هذه المفاهيم القرائية من كتابه:
Barthes R : Le bruissement de la langue , essais critiques IV Paris Seuil 1984 , pp 37 - 47
وكذلك: Barthes R : Le plaisir du texte , Seuil , Point 1982
2 - اعتمدنا في استخلاص مفاهيم إيكو على كتابيه:
- La structure absente , Introduction à la recherche sémiotique ; Paris 1972
- Lectore in fabula ou la coopération interprétative dans les textes narratifs ; Paris Grasset 1985
3 - يرجع خاصة إلى كتابه: H . R Jauss : Pour une esthétique de la reception , Paris Gallimard 1978