وبتمفصل هذه العوالم الممكنة يستطيع القارئ المشارك أن يساير حركية النص ويحدس بآفاقه المرتقبة؛ كما يستطيع بتشغيل المقولات الثلاث أن يطلق عقاله ويفجر إمكاناته، إذ القارئ المستبصر لا يقرأ كما يريد هو، لكنه يقرأ كما يريد له النص أن يقرأ: >أنا بحاجة إلى قارئ يكون قد مر بنفس التجارب التي مررت بها في القراءة أو تقريبا< (lector in Fabula p 11).
وهذا ما يدعو إلى التساؤل عما إذا كان "القارئ النموذجي" مجرد قناع للكاتب نفسه؟ وهل من حق الكاتب أن يطالب بتعميم تجربته الخاصة على سائر القراءات؟ ثم ألا يكون في الربط القسري للقارئ بالنص ومطالبته باحترام المعنى المقصود نوعا من المصادرة على المطلوب؟ إنها أسئلة مطروحة على نظرية إيكو في التقبل، وقد نجد مناقشة لها أو عملا على تجاوزها عند غيره من المنظرين والباحثين.
القراءة وسيرورة التأويل عند ياوس (3)
اهتم التفكير النقدي الألماني المعاصر وخاصة في ما يعرف بمدرسة كونستانس بجمالية التلقي مستفيدا من تيارات معرفية مختلفة كالفلسفة الظاهراتية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة وعلم التواصل والسيمولوجيا والذكاء الاصطناعي والهرمنطيقا الحديثة والتداولية وما إلى ذلك. ويعتبر هانس روبير ياوس من أنشط رواده الذين دافعوا عن تجاوز النظرة الأحادية في تقويم الأدب، وطالبوا بفهم القراءة على أنها فعل تحاور وجدل بين النص ومتلقيه أو بين النص وعملية التلقي التي يحركها وتحركه؛ إذ النص الأدبي بنية تقديرية - كما يقول ياوس- ولذلك فهو يحتاج إلى دينامية لاحقة تنقله من حالة الإمكان إلى حالة الإنجاز ومن حالة الكمون إلى حالة التحقق؛ بمعنى أنه لا يجوز القول بوجود المعنى الجاهز أو النهائي في النص، وإنما معناه المرتقب ناتج عن فعل القراءة وفعاليتها التي هي عبارة عما سيتولد بين النص وقارئه، بين البنية الأصلية أو السنن الأول وبين خبرات القارئ أو "أفق انتظاره". وبذلك يكون ياوس قد عمل على نقل الاهتمام من ثنائية الكاتب/النص إلى جدلية النص/القارئ.
وقد كان مفهوم "أفق الانتظار" بمثابة حجر الزاوية في نظرية ياوس التي استهدفت تجديد تاريخ الأدب الذي لم يكن يستند إلى الوقائع الأدبية نفسها بقدر ما كان يستند إلى ما تكون حولها من آراء أو أحكام لدى الأجيال المتعاقبة؛ وهي أحكام قد لا تكون ناتجة عن التلقي المتعاود للعمل الأدبي، ولا عن بنيته الحقيقية، وإنما عما ورثه الخلف عن السلف مما قيل عنها وتشبعت به الأفكار تجاهها، أو تجاه نوعها وثقافتها. ولذلك فتاريخ الأدب هو في الغالب تاريخ لتلك التلقيات أو آفاق الانتظار المتكونة، وليس تاريخا للنصوص الأدبية في حد ذاتها. ومن ثم تكون المهمة الأولى لجمالية التلقي عنده هي إعادة تكوين أفق انتظار الجمهور الأول لاستكشاف سيرورة التلقي ومعرفة كيفية تحاور القراء مع النصوص، وهذا يستدعي عنده تحديد عوامل ثلاثة:
أ - الخبرة السابقة التي يملكها الجمهور القارئ عن النوع الأدبي الذي ينتمي إليه النص المقروء.
ب - التشكيلات الموضوعية التي يفترض النص معرفته بها، أو ما يسمى بكفاءة التناص.
ج - مدى المعرفة أوالتمييز بين اللغة الشعرية أو الجمالية واللغة العملية العادية، بين العالم التخييلي والعالم اليومي.
وهذه التحديدات هي التي تسمح بقياس "المسافة الجمالية" في الأعمال الكبيرة بين عالم النص وعالم القراءة، أو بين " أفق الانتظار" الموجود سلفا وبين العمل الجديد الذي قد يؤدي تلقيه إلى تغيير في الأفق. ذلك أن تدميرالمعيار القائم هو عنصر في الفن التجديدي لأن البعد الجمالي الأصيل يخرق أفق الانتظار وهوما يسميه بالجمالية السلبية أو الجمالية الانتفائية esthétique négative. لكن من حق القارئ الذي يُخَيَّب أفق انتظاره أن يرفض دمج التجربة الأدبية الجديدة ضمن أفق تجربته الخاصة؛ وهذا التحاور أو الصراع هو الذي يفرز المسافة الجمالية وهوالذي يفتح المجال لظهور أفق مغاير أو معايير معدلة. ومن ثم فالقراءة الفاعلة عند ياوس هي نوع من التوافق المستمر بين عملية تحطيم أفق كائن وبناء أفق ممكن، وذلك نتيجة اشتغال مفاهيم تقبلية استعارها ياوس من الجمالية التقليدية وهي: