تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفعل القراءة في مثل هذه النصوص هو فعل انتشاء ومعاناة جمالية لا يقال ولا يفهم، وإنما يتحرك في الداخل بين السطور، فهو متعة تصوفية أي دخول في حضرة النص وحضيرته. ومن ثم يمكن القول بأن هذه العلاقة "الإيروسية" بين النص والقارئ هي علاقة انجذاب وتبعية وليست علاقة تفاعل وإنتاجية، وهو ما يبقي مفهوم القراءة البارثي في مجال الانطباعية المحتشمة كما يرى البعض.

القراءة وفعل التنشيط عند إيكو (2)

إن القراءة في نظر إيكو تدخل حثيث يعمل على تنشيط النص الذي هو "آلة كسولة" تحتاج إلى "قارئ نموذجي" يفعل في التوليد والتأويل مثلما فعل الكاتب في البناء والتكوين، ويكون قادرا على المساهمة في تحيين النص بالطريقة التي كان يفكر بها الكاتب. ولتحديد ميكانيزمات القراءة النشيطة المنشطة فهو يطرح مقولات ثلاثا هي: الموسوعة، والموقع المفترض، والعالم الممكن.

1 - الموسوعة

وهي الرصيد اللغوي والثقافي الضارب في السياق الاجتماعي، الذي يفترضه النص ويستحضره القارئ كي يستطيع المواجهة بين التمظهر الخطي لذلك النص وبين بنياته اللسانية؛ وبدون كفاءة "موسوعية" لا يمكن التعاون مع النص أو مساعدته على إنجاز مبتغياته ولا يمكن للقارئ أن يكون هو ذلك المشارك coopérant الفعال الذي يملأ الفراغات ويحل التناقضات ويستخلص المقولات.

وبما أن المصير التأويلي للنص هو جزء من آلياته التوليدية الخاصة، فالقراءة - عند إيكو - عمل استدلالي يستثمر مخزون الذاكرة الجمعية للحدس بالسياق الذي ستؤكده القراءة أو تعدله، بحسب ما يسمح به نظام الأدلة في النص.

2 - الموقع المفترض أو الموضعية

وقد استعاره إيكو من اللسانيات، ويمثل أداة ميتا-نصية أو فرضية تعاونية ينشئها القارئ ليتمكن من تحيين النص وفق إرغاماته الخطية. وتتمثل القراءة في إنشاء متوالية من المواقع أو "الموضعيات" التي تتغير بتقدم القراءة واتساع ما يسميه إيكو الوضعية الكبرى، أي بمراقبة أمكنة التعثرات الحدسية التي يواجهها القارئ المتعاون والتي ترغمه على تعديل وجهة استنباطاته. ولذلك فالموضعية أداة تداولية وسيما منطقية تصلح لتهذيب عملية السميأة (sémiosis) بتقليمها، كما تصلح لإرشاد التحيينات وقيادة التفعيل.

3 - العالم الممكن

وحينما يزاول القارئ وظيفته الحدسية فهو يبني سلسلة من المرجعيات الممكنة التي قد تتطابق مع إمكانيات النص، بمعنى أنه يتخيل عالما افتراضيا يمكن أن يستوعبه النص، هو العالم الممكن الذي هو محصلة الاستنباطات التي تسمح بها تجليات النص. فمفهوم "العالم الممكن" مفهوم ضروري للحديث عن تخمينات القارئ المتعاون وتوقعاته. وحسب شبكة العلاقات العاملية فإن "العوالم الممكنة" تتراوح بين ما يتخيله القارئ بحسب ما يجده في النص وفق مساره الخطي، وما تمثله الكائنات والأشياء التي تؤثثه والتي تبدو محكومة بنفس النظام ومورطة فيه. وعليه فمفهوم "العالم الممكن" يشتغل باعتباره آلية من آليات القراءة على ثلاثة مستويات:

1 - بما هو أداة ضرورية للقارئ الكفء،

2 - باعتباره مسجلا في النص،

3 - بتوجيه السلوك المقترح propositionnel لكائنات النص ومكوناته.

إن قارئ النص السردي مثلا يتخيل العالم المفروض تطابقه مع عالم المحكي الذي تتخيله شخصياته بدورها عالما يُفترض أن يطابق مختلف الرغبات والمتمنيات والتوقعات التي تحفز الكائنات السردية. وبناء على هذه التفاعلات يقيم إيكو ترسيمة لتشكلات العالم الممكن تنبني كما يلي:

1 - س ع: الدال على العالم الممكن الذي يؤكده الكاتب في المحكي (س) (سارد)

2 - ش س ع: العالم الممكن الذي يتخيله أحد الشخوص (ش) (شخص)

3 - م ع: العالم الممكن الذي يتمثله القارئ المتعاون (م) (مرجع).

4 - ش م ع: العالم الممكن الذي يسنده القارئ المتعاون (م) لاعتقادات الشخصية (ش).

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٥