تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّ التقطّع والتفكّك والتعدّد والتشظّي والتفتيت ... هي القانون السّاري في مفاصل النصّ والنّول الذي ينتسج عليه ويلحم سداه، فلا انتظام ولا انسجام، بل انقسام وانفصام في جميع مستويات النصّ ومكوّناته، أفعالا وفواعل، خطابا وحكاية، وصفا وسردا، شكلا ومضمونا، وكأنّ مسعى الذّات الكاتبة في خطابها هو البحث عن "دليل الاستعارة البيضاء (ص 92) والتوغّل في "اللّحظات الموغلة في الإشراق" (ص 92)، فـ"كلّ البدايات بدلالاتها المتقطّعة هي حطب للحكاية المفتقدة وإلهام للبحث عن الكلام الأوّل" (ص 92).

و"اللّغة وحدها التي تؤسس للفعل وتقيم علاقتها المتحرّرة مع الموت والمنفى والخيمة المعزولة" (ص 21). أمّا الكتابة فهي تذكير دائم بالعجز "مادامت تعويضا ما -رمزيا أو وهميّا- عن فقدان أو كبت" (ص 42) ...

ولا يخفى - من خلال هذه الشّواهد المنزوعة من النصّ- ما للرّواية الواصفة أو [الميتاروائي] (métafiction) من دور في تشكيل شعرية الخطاب الروائي وبلاغته التخييليّة، إذ يضطلع المتلفّظ في < مجازفات البيزنطي> بمهمّة الكلام والكلام على الكلام، فينكفئ الخطاب على ذاته مفتتنا بنفسه كاشفا عن بعض أسراره، محيلا على قوانين انتظامه وآليات اشتغاله، مصرّحا على نحو جليّ ظاهر حينا وملمّحا بطريقة خفيّة ضمنيّة حينا آخر.

فإذا الكلام نقل لأفعال الشّخصيّات وأحوالها وأقوالها، و"إفضاء بهواجس الذّات المتلفّظة وخيباتها وانكساراتها و "تركيب العبارة من حروف خاسرة" (97) وإخبار عن شواغل الكتابة وعذاباتها في بحثها الدّائم عن "الحقيقة المفكّكة" (ص 90): "أين الحقيقة إذن. إنّها هناك، وهي هنا تتشكّل من تراكم الأوهام" (ص 97)، وليس من المصادفة في شيء أن تشترك الشّخصيّات جميعها في افتنانها بالقصّ وانجذابها إلى متعته ولذعته، إلى عذوبته وعذابه، تتداول على صياغة الأوهام وصنع الحكايات، وتتناوب على الاستيهام والاسترجاع والاستلذاذ بجمرات اللّسان الحارقة وترويض الكلام وإرغامه على قول ما لا يقال وحكاية ما لا يحكى (l'inarrable). بل إنّ من الشّخصيّات (=مصطفى الخمري) من يمتهن الكتابة ويحترف القصّ، فتتحوّل بذلك "كتابة المغامرة" إلى "مغامرة كتابة" وتستحيل الرّواية إلى رواية في الرواية وعن الرّواية (le roman dans le roman et sur le roman).

وقد أثّرت هذه الظّاهرة البنائيّة في التشكّل النصّي للخطاب الروائي، من خلال تراكب مستويات التلفّظ (Juxtaposition des niveaux énonciatifs) واشتغال السّرد وفق آليّة التّغوير (la mise en abyme) أو القصّ المرآوي (le récit spéculaire) - بعبارة "لوسيان دالنباخ"- فتحيل الرّواية على ذاتها وتتحوّل الكتابة إلى موضوع للتّشخيص (l'auto-représentation)، وإذا الرّواية المشخَّصة (représenté) صورة مصغّرة أو مرآة مقعّرة (un miroir convexe) تنعكس عليها الرّواية المشخِّصة (représentant) في تفكّك بنائها وتشتّت عناصرها، وفي ضياع شخصيّاتها، وانكسار آمالها، وإخفاقاتها، وفي صياغة لغتها ونظم أساليبها وأدائها.

V- على سبيل الخاتمة:

إنّ < مجازفات البيزنطي> لشعيب حليفي مغامرة روائيّة جريئة في اندفاعها نحو مجهول الكتابة ومستحيل إمكانها، وفي اقتحامها متاهة القصّ ولذّته الباذخة. إنّها نصّ المجازات يحتفي بالمغايرة والاختلاف، وينأى عن المطابقة والائتلاف، يصوغ قلق الذّات وأوجاعها وإخفاقاتها، ويبوح بخيباتها وهزائمها وانكساراتها، يصدم وعي القارئ ويخالف انتظاراته وتوقّعاته، يتلاعب بقواعد التجنيس وينتهك أعراف السّرد ومواضعاته، يحدّق في مرآة ذاته في افتتان نرجسيّ، يمزج الشّعر بالنّثر، والواقع بالخيال، والحقيقة بالوهم، والأليف بالعجيب، .. "يرتّق للحكاية فصولها الضائعة" ثمّ "يبدّدها ويذيبها وسط أوجاع السّنوات" (ص 48) ... يقول الكاتب مصطفى الخمري (ولعلّه القرين النصّي أو الأنا الثّاني المتخيّل للكاتب شعيب حليفي!): "العين القارئة تعرف كيف تمشي بالنظريّة، وتتعثّر حينما تقوم للمشي أما العين المبصرة فإنّها قادرة على كلّ شيء." [ص 93]، ولكن ... أنّى للعين المبصرة أن تحدّق في شمس النصّ المتوهّجة دون أن تعشى أو تعمى؟! بل أنّى لها أن ترى أو تبصر وقد عزم المؤلّف عامدا متعمّدا على إخفاء ما تسعى إلى إجلائه وحجب ما تعمل على كشفه، وإغماض ما ترمي إلى إيضاحه والإبانة عنه؟! يقول المؤلّف على لسان قرينه "مصطفى الخمري": "رأيت كلّ شيء. لن أستطيع، الآن على الأقلّ، قول ذلك بكلّ فصاحة، ولكنّي هنا أتحدّث للتّمويه" (ص 93)!

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٥٧