تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذاك هو ما يتكشّف للنّاظر حالما يستجلي النّسيج النصّي الذي ينتظم الأثر، فإذا هو مجمع أجناس (Archi-genre) ومحفل أنواع، فسيفساء من الأجناس والأنماط الخطابيّة، "جوقة" من الأصوات متآلفة في اختلافها، متناغمة في تنافرها، متنابذة في تجاذبها، إنّها كتابة مجاوزة للأنواع أو "عبر - نوعيّة" -حسب مصطلح الخراط - لا تخضع لنظام يوحّدها سوى فوضاها، ولا منطق يحكم تعالقها سوى غرابة تجاورها وتحاورها وتجاوزها. فإذا نحن إزاء أشكال من القصّ تتنازعها هواجس التأصيل ومنازع التحديث، فتتجاور "الرحلة" و"الخبر" و"السيرة" (الغيرية) و"الحكاية" و"أدب الأيام" و"تعبير المنام" والحكاية المثلية مع "الرواية" و"السيرة الذاتية" و"اليوميات" و"الترسّل"، وتتصادى الفنون القوليّة مع الفنون اللاّقولية من رسم وتصوير (صورة بدون إطار / حكاية بالأبيض والأسود .. ) وفنّ الفرجة (التقسيم إلى فصول ومشاهد .. ). غير أنّ ما يزيد في تقويض الهوية الأجناسيّة لـ< مجازفات البيزنطي> وتهديد صفائها النّوعي إنّما هو ما عبّر عنه بعض النقاد بعبارة "تشعير الحكاية" (Poétisation du récit) وما يترتّب على ذلك من تنازع وتدافع، أو من توالج وتواشج، بين مقامين تلفظيين متباينين في الأصل والطبيعة والفاعلية وهما مقام التلفظ الغنائي (lyrique) بما فيه من ذاتية، وانفعاليّة، وتعبير استعاري وصوغ مجازي وتخييل شعري، وانزياحات أسلوبيّة عن مألوف العبارة ومعهود القول، وبين مقام التلفّظ السردي بما فيه من "موضوعيّة" ونزوع إلى التمثيل والإخبار والتقرير، والإيهام المرجعي والحرص على التوصيل والتّبيين والتّوضيح.

وقد أضفى هذا التداخل والتفاعل بين المقامين ضربا من الالتباس والإرباك على سعى القارئ إلى تجنيس الخطاب وتحديد هويّته النصّية، ذلك أنّ اختراق "الشعريّ" (le poétique) للسردي (le narratif) قد أفضى إلى انتهاك قواعد الجنس الرّوائي وكسر منطق انتظام السّرد فيه وكسر زمنيّته الخطية والإخلال بنسق استرساله، وذلك من خلال جنوح الخطاب في الأثر الذي نحن منه سبيل، إلى العدول عن الإبانة والإيضاح والتصريح إلى الإغراب والإغماض والتّلميح، والانصراف عن التّمثيل السّردي والإيهام المرجعي إلى التأثير الانفعالي والتخييل الاستعاري، والاستعاضة -في مواضع كثيرة- عن الإبلاغ بالبلاغة، وعن الإخبار بالوقائع إلى الإمتاع بالصّور. فالأنا المتلفّظ في <مجازفات البيزنطي> يحتفي باللّغة أيّما احتفاء وينتشي بتجويد العبارة وتبعيد الإشارة ويمضي في تغميض الاستعارات وتعقيد المجازات، في ضرب من الانجذاب والانخطاف، أو لم يقل القائل (؟) في أحد المواضع: "السهو هو أغبرة عيارية للنفس لا تخصب إلاّ التيه أو التأمّل، أمّا الكلام فهو لحظات المناجاة الصوفيّة" (ص 89).

إنّ الإهاب الشّعري الذي يكسو اللّغة في نص "حليفي" هو الذي يحوّل وجهة الخطاب ويصرف اهتمامه من الوظيفة التمثيلية بالإحالة على العالم المرجعي إلى الوظيفة الشعرية بانعطاف الكلام على ذاته وافتتانه النرجسي بصورته في "مرايا التجلّي". يقول القائل (؟) [هل هو السارد أم المؤلف؟]: "اقترب من بياض اللّوحة الملئ بمرايا التجلّي، حوض القيامة، أو حوض التوبة من خطايا هذا العالم، كبس نظراته وفتح شريعة الخيال ثم خطّ بريشة صرخته الجميلة ... " (ص 30).

غير أنّ المكوّن "الشعريّ" في نصّ "المجازفات" لا يقتصر مجال اشتغاله في مستوى بلاغة العبارة وشعريّة اللّفظ، وإنّما يتجاوز ذلك إلى مستوى بلاغة الجنس وإنشائيّة النوع الأدبي، وهو ما يظهر بجلاء في مستوى تركيب الأفعال السردية وطرق انتظامها في هيأة من التشتّت والتبعثر والتفتيت، وفي مستوى بناء الفواعل ومنطق تشكيلها في ضرب من المراوحة بين الوحدة والكثرة، وبين التفرّد والتعدّد وبين الوجه والقناع، وبين الذّات والقرين (son double)، وبين الواقعي والعجيب، وبين الإنساني والحيواني، ... فالكلّ يرتدّ إلى الواحد يجمعه ويضمّ شتاته، والواحد يتشظّى إلى آحاد متفرّقة متباعدة، "فعمر العيّار" و"العيساوي" و"أحمد العباوي" و"مصطفى الخمري" جمع في صيغة المفرد أومفرد في صيغة الجمع تفرّق بينهم أوضاع النشأة وأحوال المعيشة وأوساط الحياة، ويجمعهم الانتماء إلى زمن التيه والخيبة والضّياع والهزيمة والانجذاب إلى متعة القصّ وصناعة الأوهام واختلاق التخاييل، والالتقاء في مقهى "بيزنطة" تلك "المساحة الضّروريّة لدفن الاستيهامات واستكمال الحرب الباردة ... في النّفس المشقوقة" (ص 50). و"مرتع التفكّر والبحث عن الحياة"، حيث تقتعد الشخصيات "في جلسات تفاوض مسمّى حول حصصها من تدخين الكيف وشرب الشّاي والوهم اليومي فتختلط أدخنة كلّ شيء بأبخرة الثّرثرة والحكي .. وبمختلف ألوانها واصواتها الممتدّة مثل غايات ملتبسة" (ص 5) في هذا المكان تتحوّل الثّرثرة إلى حكايات، ويستحيل الخيال إلى واقع، ويغدو الواقع وهما واختلاقا واستيهاما وفانطازيا ...

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٥٦