وبهذا يمكن اعتبار البداية (الأولى) شبيهة بـ"صندوق الأدوات" الذي يحتوي "مفاتيح" النصّ أو مضارعة "للجينوم النصّي" الحامل للبرنامج الوراثي للسّرد والموجّه لنشاطه والمتحكّم بمسارات تخلّقه وتكوّنه وصيرورته، ولن نجد عبارة أشمل دلالة ولا أدقّ تعبيرا عن هويّة العمل الرّوائي وماهيته من عبارة "متاهة" بكلّ ما توحي به من معاني الغموض والغرابة والالتباس والتداخل والاختلاط والهذيان والوهم والفانطازيا ... وهي الملامح المميّزة للتجريب الرّوائي في < مجازفات البيزنطي> والسّمات المعبّرة عن خصوصيّته.
ولئن كانت وظائف البداية -في نظر "أندريا دالاّنجو"- تتمثّل في الإعلان عن انطلاق القصّ وإثارة اهتمام القارئ وإغرائه وتجنيس النصّ وإخراج التخييل من حيّز الكمون إلى مجال التحقّق الفعلي وغيرها، فإنّ وظيفة البداية في رواية "حليفي" لا تعدو أن تكون تعميقا للالتباس وتغميضا للدّلالة وتحفيزا للقارئ لاقتحام مجاهيل النصّ ودهاليزه المعتّمة والمجازفة مع المؤلّف في رحلته التخييليّة الرّوائيّة، وهي "رحلة يحتاج المرء [فيها] إلى استثناءات يدخل بها إلى هذا الاستثناء العظيم، كي يحيا ويتأمّل الهوّة والمتاهة ويصيخ السّمع إلى هديرهما الممتدّ".
ولا يخفي المؤلّف (السّارد؟) تعاطفه الماكر وتعاونه المخاتل مع قارئه المفترض حين يعلن في إحدى البدايات الممكنة لروايته/رواياته الموسومة بـ (حكاية بالأبيض والأسود) قائلا: "يباح لكلّ قارئ تأويل دلالات هذه الرّواية القصيرة جدّا انطلاقا من ثنائيّة الأبيض والأسود"، ويتداخل هذا الملفوظ من حيث ماهيته ووظيفته بالمقدّمة (Préface) التي يسوقها المؤلّف كاشفا عن خطّته في الكتابة واستراتيجيّته في السّرد عاقدا مع القارئ ميثاق التقبّل وشروط التّواصل، مؤكّدا على المظهر الوقائعيّ (l'aspect factuel) للنصّ الحكائي وطريقته في عرض الأحداث وتقديمها ومبرزا نصيب الواقع من الخيال والحقيقة من الوهم في الحكاية ومقترحا كيفيّة ملائمة لقراءة النصّ وتأويل دلالاته.
إنّ العالم التخييلي المتاهي الذي يشيّده المؤلّف في عمله الرّوائي قائم على استراتيجيّة نصّية قوامها التّلاعب بأعراف السّرد الرّوائي ومواضعاته، وإرباك القارئ ومصادمة توقّعاته، وزعزعة اطمئنانه ويقينه و"أمنه القرائي"، وتلك هي حكمة الرواية -في نظر "ميلان كونديرا"- "حكمة اللاّيقين" وانهيار الثّوابت وثورة الشكّ والرّيبة، فالرّواية تنطلق ولا تبدأ، والعنوان يعيّن ولا يشير، يثبت وينفي، يبيّن ويعمّي، في ضرب من الاشتباه والتّمويه، وفي سياق ملتبس غامض لا يزيده سؤال التجنيس إلاّ تلبيسا وتدليسا.
IV- مجازفة الجنس / أو تلبيس التجنيس:
لئن كانت الرّواية -على وجه العموم- جنسا مارقا خارجا على كلّ القوانين، و"الجنس الذي لا حدود له"، فإنّ نصّ < مجازفات البيزنطي> لشعيب حليفي يعلن منذ عتباته النصيّة الأولى مناوأته لنظام الأجناس وتمرّده على قوانينه ومواضعاته، إذ تعمد القرائن والمؤشّرات الطّباعيّة إلى وسم الأثر بتسميتين أجناسيتين مختلفتين وهما "رواية" بصيغة الإفراد، و"روايات قصيرة جدّا" بصيغة الجمع المخصّصة بنعت (قصيرة جدّا). وإذا كانت التسمية الأولى مألوفة معهودة في الاستعمال والتّداول، فإنّ التسمية الثّانية مباينة للشائع والمعروف من المصطلحات الأجناسيّة الرّائجة في مجال الكتابة السّرديّة الرّوائيّة، ولعلّها المرّة الأولى التي يجنّس فيها كاتب روائيّ نصّا على هذا النّحو.
ولمّا كان "الجنس" الأدبي مصطلحا قرائيّا ومفتاحا تأويليّا يحدّد أفق الانتظار ويوجّه مسارات التقبّل ويضبط مراسم القراءة وبروتوكولاتها، فإنّ استراتيجيّة التجنيس في كتابه "حليفي" تنصرف إلى التّعتيم والتلبيس والإغراب وتهدف إلى إرباك القارئ وتخييب انتظاراته ومصادمة توقّعاته، ذلك أنّ النصّ الذي ينشئه ملتبسة هويّته، غامضة ماهيّته، يتردّد بين الوحدة والكثرة، بين الإفراد والجمع، بين الإطناب والاقتضاب، .. فهل يتعلّق الأمر برواية واحدة منسجمة مكوّناتها، متماسكة عناصرها، متلاحمة أجزاؤها أم بروايات أربع لا رابط بينها ولا ناظم سوى تجاورها بين دفتي كتاب واحد، وكأنّنا إزاء مصنّف مجموع لا نصّ موضوع. أليست "الكثرة" و "مجاوزة الحدّ والمقدار" من معاني "المجازفة ومصاحباتها الدّلاليّة؟ أو ليس التّجريب والحداثة "تجاوزا مستمرّا للأشكال"؟.