تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا التعدّد أو "التكوثر" في مستوى العناوين الدّاخليّة ليس إلاّ تصريفا لصيغة الجمع في العنوان الرّئيسي (مجازفات/روايات)، غير أنّ هذا التعدّد وما يستتبعه من تجزيء وتفتيت لا يعني الفوضى (خلاّقة كانت أو هدّامة) وإنّما ينتظمه منطق لا يكشف عنه النّقاب ولا يزيل الحجاب إلاّ التحليل النصّي الدّقيق للعمل الرّوائي، والتأويل القرائي اليقظ الذي يؤلف المختلفات ويجمع بين أعناق المتنافرات ويرصد الوحدة في الكثرة ويبحث عن النظام الخفي في الفوضى الظّاهرة.

ولئن نهضت استراتيجيّة العنونة في رواية "حليفي" < مجازفات البيزنطي> بوظائف عديدة من قبيل التسمية والتعيين والإغراء والإيهام وغيرها فإنّها كانت محكومة بمقصدية مراوغة، مخاتلة، تنحو نحو الإغماض والتّلبيس وتنزع إلى المجاوزة والمجازفة في مسار تجريبي تحديثي يحقّق للأثر الرّوائي فرادته وتميّزه واختلافه، وقد تجسّد هذا الاختلاف في جميع البنيات النصيّة التي يتشكّل منها العمل الرّوائي ولعلّ من أهمّها الفاتحة النصّية أو الاستهلال الرّوائي (Incipit). فما هي ملامح التّجريب في هذا المكوّن النصّي؟

III- مجازفة الاستهلال/ أو متاهات البدايات:

ليس اهتمام "حليفي" بالاستهلال الرّوائي أو "البداية" تنظيرا وإبداعا بأقلّ من اهتمامه باستراتيجيّة العنونة ممارسة نصّية وإجراء نقديّا، فكاتبنا روائيّ وناقد يتكلّم بلسانين أو بألسنة عديدة ومن العسير أن نفصل بين كلامه وكلامه على الكلام، أو بين إبداعه ونقده، دون أن يعني ذلك ارتهان الأوّل للثّاني أو إخضاع الثّاني للأوّل. وليس هذا سبيلنا في هذا الموضع على أيّة حال.

يعتبر "شعيب حليفي" أنّ "البداية" تشغل في الرّواية العربيّة "أهمية استراتيجيّة من أجل فهم آليات تكوّن النصّ وانفتاحه، كما تشكّل دورا توجيهيّا يقود الدّلالة من الكثافة والغموض إلى حقول توسّع المعنى وتضيئه." وتتأتى أهمية البداية أو الجملة العتبة -حسب الكاتب- من كونها "حلقة تواصل بين المؤلّف والسارد من جهة، وبين المتلقّي من جهة ثانية، وعبرها يتمّ تحديد العديد من المنطلقات الأوّلية التي تهمّ الجنس الأدبي وإفضاءاته." ومن خلالها يسعى الرّوائي إلى "رسم أنفاقه التخييليّة وشدّ القارئ للولوج معه وسبر تلك الخيالات المرفودة بأحداث وشخصيّات وأحلام ومجازفات".

إنّ البداية الرّوائيّة -لدى "شعيب حليفي"- "مجازفة وباب يقود المتلقي عبر اللّغة السّردية والأوصاف إلى عالم النصّ الرحيب حيث يتشكل البناء وتتفاعل المكونات من أجل تحقيق أدبيّة النص".

ولئن اقترن البحث في مسألة البداية أو الفاتحة بالنّظر في حدودها النصّية الملتبسة وتصنيفاتها الممكنة ووظائفها المنجزة، فإنّ موقعها الاستراتيجي الهامّ واشتغالها النصّي بوصفها موجّها ومحرّكا للنصّ ككلّ، يفرض على الباحث التلبّث عندها والوقوف على عتبتها لاستجلاء آلياتها وتبيّن وظائفها.

والنّاظر في < مجازفات البيزنطي> لا يكاد يتخطّى عتبة حتى تفضي به إلى عتبة ثانية وثالثة وأخرى .. في ضرب من التعرّج المتاهي والتعثّر النصّي المفضيين إلى أبواب مغلقة، موصدة، يحتاج معها القارئ/السالك في دروب النصّ الملتوية إلى "مفاتيح" [=عنوان البداية الأولى/ص 5] يستعين بها لفضّ مغالق المعنى وتوضيح غوامضه وتأويل دلالاته المحجّبة المستترة.

إنّ البداية في < مجازفات البيزنطي> بدايات، وهي مغايرة لنمط البداية في الرّواية الواقعيّة الكلاسيكيّة التي يستهلّها الرّوائي بتحديد الإطارين المكاني والزّماني والتّمهيد للعقدة ووصف الشّخصيّات نفسيا ومادّيا واجتماعيّا، والإمساك بيد القارئ لإدماجه شيئا فشيئا في العالم التخييلي للنصّ الرّوائي وإرغامه على الخضوع لمنطقة الإيهامي القائم على التّماهي والتطهير -بالمعنى الأرسطي للعبارة (Catharsis)- أمّا البداية النصّية في روايتنا التي نحن منها سبيل، فهي صادمة لوعي المتقبّل ومربكة لأفق انتظاره وبنية توقّعاته، باعثة على القلق والحيرة والتّساؤل، منطوية على أسرار ملغزة وأحاج معقّدة تنتظمها شبكة من الألفاظ لعلّها أن تكون هي "المفاتيح" المقصودة من العنوان: (متاهة - الوهم - تختلط - ألوان وأصوات - غايات ملتبسة - تحكي ما لا تعرفه أبدا - الثّرثرة - تدخين الكيف - تناوب فادح على الحكي .. )

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٥٤