ولا ينفصل معنى الغواية عن دلالة "المجازفة" بوصفها مخاطرة ومغامرة وباعتبارها اقتحاما للمجهول ومجاوزة للحدود وانقطاعا عن الوحدة والاكتمال ونزوعا إلى الكثرة والتّقطيع والتجزيء وانصرافا عن الحقيقة المطلقة واليقين المطمئنّ إلى الحدس والظّن والتوهّم. وهذه المعاني جميعها من صميم مفهوم التّجريب الذي ينتظم العمل الرّوائي ويوجّه استراتيجيّاته النصيّة ومقاصده الجماليّة، فتنفتح بذلك دلالة العنوان على أفق الكتابة السّرديّة الرّوائيّة بوصفها مجازفة أي تجريبا، و"شبكة" من العلاقات والدّلالات يصطنعها الكاتب لاصطياد القارئ واقتناص اهتمامه وتوريطه في سيرورة التلقّي والتّأويل.
غير أنّ دلالة العنوان في جزئه الأوّل [=المضاف] لا تكتمل إلاّ بربطه بجزئه الثّاني [=المضاف إليه] وقد ورد معرّفا بالألف واللاّم في صيغة النّسبة إلى مكان وهو "بيزنطة" (البيزنطيّ) فيتكثّف بذلك الغموض والالتباس، وتتعقّد الدّلالة وتتعدّد، ذلك أنّ المرجع الذي عليه ينعقد معنى اللّفظ وتحيل العلامة، مرجع غائم، غامض، يتردّد بين خارج النصّ وداخله بين سياق المقال ومقتضى المقام. فهل بيزنطة هي المكان المرجعي التاريخي أم هل هي مكان نصّي تخييلي يبتنيه الخطاب وتؤسّسه الكلمات؟ ذلك هو الالتباس الذي يشيعه العنوان ويحدثه، و"التلبيس" أو "التلغيز" استراتيجيّة نصّية فاعلة في تشكيل بنيان النصّ وصياغة دلالاته، بل يمكن اعتباره مفتاح اللّغز وكلمة السرّ في رواية < مجازفات البيزنطي> ومشروعها الجمالي القائم على "لعبة المراوغة والإيهام" -بعبارة ش. حليفي نفسه-
غير أنّ "لعبة المراوغة والإيهام" هذه لا تقف فاعليّتها التخييليّة عند حدود العنوان العام الواقع على الغلاف الخارجي للأثر وإنّما تمتدّ لتشمل العنوان الفرعي (le sous-titre) الذي يصاحب العنوان الرّئيسي ويلازمه [روايات قصيرة جدّا]، وقد اضطلع هذا العنوان الفرعي الذي غاب عن الغلاف وظهر في الصّفحة الثّالثة، بوظيفة "تجنيسيّة" تتمثّل في تحديد الهويّة الأجناسيّة للأثر وضبط النّوع الأدبي الذي في إطاره تتحدّد مواثيق القراءة وبروتوكولات التلقّي ويفتح أفق انتظار القارئ ويهيئ مراسم تقبّله للنصّ.
والنّاظر في العنوان الفرعي يفاجأ دونما شكّ بما يعقده هذا العنوان من علاقة تغاير وتباين بينه وبين المؤشّر الأجناسي (l'indication générique) الواقع في الغلاف الخارجي وهو كلمة (رواية). فهل نحن إزاء (رواية) واحدة فيها من عناصر الانسجام (cohérence) وقواعد الاتّساق (cohésion) ما يجعلها نصّا متكاملا متضافرة مكوّناته ومقوّماته؟ أم هل نحن قبالة روايات أربع "قصيرة جدّا" على نحو ما أشار إليه المؤلّف، لا يجمع بينها سوى التجاور النصّي بين دفّتي كتاب واحد؟ هل يردّ هذا التّباين إلى مقصديّة المؤلّف وانتهاجه استراتيجيّة التلبيس والتغميض وإرباك القارئ وتحييره؟ أم هل يعود ذلك إلى تنازع صوتين وإرادتين هما صوت النّاشر الذي صمّم الغلاف وهيّأه للنّشر، وصوت المؤلّف الذي كتب النصّ وهيّأه للقراءة؟ لاشكّ أنّ هذه الأسئلة -وغيرها- إن هي إلاّ "شبكة" ينصبها المؤلّف للإيقاع بالقارئ وإغوائه ولمراوغته وإغرائه، وتزداد هذه الشّبكة إحكاما واللّعبة إتقانا حينما يلج القارئ دهاليز الأثر وأقبيته الدّاخليّة فيفاجئه تضخّم الجهاز العنواني الدّاخلي وتورّمه، وتصدمه كثرة العناوين وتعدّدها وتنوّعها طولا وقصرا، إبانة وإغماضا، إبلاغا وبلاغة. وفيما يلي جدول للعناوين الدّاخليّة وقد بلغ عددها 61 عنوانا موزّعا على 112 صفحة أيّ بمعدّل عنوان لأقلّ من صفحتين:
العناوين الداخلية
مفاتيح
…
(ص 5)
الرواية الأولى (ص 7)
…
*ثلاثة أخبار في سيرة عمر العيار (ص 9)
*حكاية بالأبيض والأسود (ص 11)