ولعلّ القيم الجماليّة المؤسّسة للكتابة الرّوائيّة الحداثيّة غربيّها وعربيّها، مشرقيّها ومغربيّها، لا تكاد تخرج عن هذه الدّعائم أو الأقانيم الثّلاثة، ما دام التّجريب -وهو أفق الإبداع ومحرّكه- فعلا تجاوزيّا، مناوئا لمطلقية الشّكل الرّوائي الجاهز والمكرّس، محمّلا بروح الشكّ والتّساؤل، سالكا دروب المغامرة والمخاطرة، متمرّدا على ما استقرّ من قواعد وما استقام من أصول، لا رهان له سوى البحث والكشف، ولا أفق له إلاّ المجازفة واقتحام المجهول و"مهاجمة المستحيل".
ولا يمكن أن يكون ولوجنا عالم "شعيب حليفي" الرّوائي من خلال روايته الأخيرة < مجازفات البيزنطي> إلاّ من باب التّجريب، ولا نستطيع مقاربة كتابته السّرديّة واقتحام مجاهيلها إلاّ إذا انخرطنا في منطقها الإشكالي وتسلّحنا بروحها المغامرة وجازفنا معه في متاهات القصّ وأحابيل التّخييل. فما هي آليات التّجريب وتجلّياته في < مجازفات البيزنطي>؟ وفيم تتمثّل استراتيجياته الخطابيّة وإجراءاته النصّية؟
II- مجازفة العنوان/أو أحابيل الغواية:
إنّ اهتمام "شعيب حليفي" بالعنونة لا يقتصر على ممارسته النصيّة في مجال الكتابة الرّوائيّة، وإنّما تجاوز ذلك إلى التّفكير في "استراتيجيّة العنوان" في مجال التّنظير النّقدي ومقاربة النّصوص الرّوائيّة، ولعلّ هذا الجمع بين الإبداع الرّوائي والإجراء النّقدي أن يكشف عن ميسم بارز من مياسم تجربة "حليفي" الكتابيّة وهو التّجريب الواعي بأصوله النّظريّة وخلفيّاته المرجعيّة، و"الكتابة العالمة" (Ecriture savante) المدركة لسيرورة تشكّلها ومنطق اشتغالها.
إنّ العنوان -على حدّ تعبير كاتبنا نفسه- "شبكة دلاليّة يفتتح بها النصّ ويؤسّس لنقطة الانطلاق الطبيعيّة فيه. والعنوان بوعي من الكاتب، يهدف إلى تبئير انتباه المتلقّي، على اعتبار أنّه تسمية مصاحبة للعمل الأدبي، مؤشّرة عليه".
ويذهب "شعيب حليفي" إلى اعتبار العنوان "ممثّلا لسلطة النصّ وواجهته الإعلاميّة التي تمارس على المتلقي إكراها أدبيّا، كما أنه الجزء الدّال من النصّ الذي يؤشر على معنى ما فضلا عن كونه وسيلة للكشف عن طبيعة النصّ والمساهمة في فكّ غموضه".
وتكمن أهمية العنوان فيما ينهض به من وظائف وما يؤدّيه من أدوار في مستوى البناء النصّي والتّشكيل الجمالي لأنساق الخطاب ودلالاته، فهو "النّواة المتحرّكة التي خاط عليها المؤلّف نسيج النصّ" وهو -للقارئ- مفتاح تأويلي لا غنى عنه لفكّ شفرات النصّ وفكّ مغالقه. فما دلالة العنوان في الرّواية التي نحن منها بسبيل؟ وما هي الوظائف التي ينهض بها؟
إنّ الاستقصاء المعجمي للمادّة اللّفظيّة التي صيغ منها العنوان الرّئيسي في جزئه الأوّل (=المضاف): "مجازفات" أفضى بنا إلى رصد الدّلالات التّالية:
-"الجَزْفُ: الأخذ بالكثرة. وجزف له في الكيل: أكثر. والجَزْفُ: أخذ الشّيء مجازفة وجزافا (فارسي معرب). والجِزَافُ والجَزْفُ: المجهول القدْر مكيلا كان أو موزونا.
والجُزاف والجِزاف والجُزافة والجِزافة: بيعك الشيء واشْتِرَاؤُكَهُ بلا وزن ولا كيل وهو يرجع إلى المساهلة.
والمجازفة: الحدس في البيع والشراء [معرّب (كزاف)]
والمِجْزفة: شبكة يصاد بها السّمك. والجزّاف هو الصّياد.
والجَزُوف من الحوامل: المتجاوزة حدّ ولادتها. وجِزْفَة من النِّعم: قطعة."
وبهذا يتبيّن أنّ المحاور الدّلاليّة التي تنتظم مادة [ج. ز. ف] في معاجم اللّغة تنعقد على معاني المجهول والكثرة ومجاوزة الحدّ والتقطيع والاصطياد وآلته (الشبكة) والحدس (=وهو الظنّ والتّخمين والتوهّم .. )، وهي معان جوامع (Archi-sens) تشكّل نوى إشعاع واستقطاب بقدر ما تستقطب معاني النصّ وتكثّفها وتختزلها، فإنّها تشعّ على النصّ بهالة من الدّلالات ودوائر من المعنى تغري القارئ بالإقبال على الأثر الرّوائي واقتحام عوالمه الممكنة، وتهيّئه لتقبّل النصّ مشكّلة أفق انتظاره وتوقّعاته، أو لم يقل "كونغور": "كلّ عنوان يؤسّس غواية النصّ"؟