تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقول إيزر محددا مؤثرات أخرى لنظريته: "من الشائع الآن أن النظريات تمارس تأثيرا معينا على الساحة الثقافية الألمانية: الماركسية، ونظرية التحليل اللغوي، ونظرية الإعلام، والتأويل، والتحليل النفسي. أما بالنسبة للدراسات الأدبية بوجه خاص، فيبدو أن أبرز هذه الاتجاهات هو التحليل النفسي، وفن التأويل. وفضلا عن ذلك ينبغي أن نذكر نظرية تجريبية في الأدب، اكتسبت شهرة عظيمة في الأعوام الأخيرة؛ هي تسجيل استجابات الناس واستخلاص استدلالات فيما يتعلق بالقانون الاجتماعي الذي يتحكم في اتجاهاتهم.

وقبل التأثير الذي تركته النظريات السالفة الذكر، انتشرت النقدية الجديدة في الدراسات الأدبية الألمانية؛ إذ أثبتت هذه النزعة أنها رد فعل للانتفاع بالنص الأدبي في أغراض شتى، وبخاصة في الأغراض السياسية، في ماضي ألمانيا القريب.

ومن رواد هذه النظرية في العالم العربي نستحضر مجموعة من الأقلام النقدية على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، منها: عبد الفتاح كليطو في كتابيه: الحكاية والتأويل (11) والأدب والغرابة (12) وحميد لحمداني في كتابه: القراءة وتوليد الدلالة (13) ومحمد مفتاح في كتابه: التلقي والتأويل (14)، وكلهم باحثون ودارسون مغاربة

2 - فعل القراءة وإشكالية التلقي *

القراءة ضرورة تحقيقية وإنتاجية، وهي فعل يستمد مفهومه في الأبحاث والتنظيرات المعاصرة من عملية تهجية الحروف والاستهلاك المحدود إلى عملية المساوقة والمشاركة في الإبداع والتصريف. وهي على كل حال عملية معقدة تقوم على مجموعة من الإواليات والاشتغالات النفسية والثقافية والاجتماعية والجمالية وغيرها. ولذلك فقد نظر إليها وإلى حركيتها من زوايا مختلفة، فكانت هناك أبحاث في سيكلوجية القراءة وفي سوسيولوجية القراءة وفي جمالية التلقي وما إلى ذلك. فاعتبرت القراءة بمثابة نشاط نفسي أو استجابة داخلية، واعتبرت بمثابة ظاهرة اجتماعية وتاريخية، واعتبرت بمثابة تجليات دينامية لمعطيات ثقافية ومعرفية. وبما أن الإلمام بكل هذه المجالات والجوانب صعب في مثل هذا المقام، سنقتصر على الإشارة إلى بعض الأفكار والنظريات المعاصرة التي تحاول فهم "فعل القراءة" في حد ذاته وإبراز مؤداه التواصلي والإنتاجي، قصد فتح باب التحاور والتعامل مع مستجدات التلقي في النقد الأدبي المعاصر ومحاولة استشراف مفاهيمه ومستنداته.

القراءة والاشتهاء عند رولان بارث (1)

اهتم رولان بارث كثيرا بجمالية القراءة، ووقف طويلا عند ما تثيره في القارئ من رغبة واشتهاء، فتحدث عن الافتتان بالنص والتلذذ بمفاتنه والانجذاب إليه بفعل سحره؛ واعتبر أن القراءة نوع من إعادة كتابة النص وإطلاق إنتاجيته. لكن النص القادر على إحداث تلك الرعشة الجميلة هو النص الذي يربك القارئ ويخلخل موازينه الثقافية والنفسية واللغوية، فهو يقتنص المتلقي بواسطة نظامه الدلائلي الخاص وبواسطة أحابيله الفنية المنصوبة. ومن هنا يميز بارث بين القراءة التي هي اندماج في النص واستمتاع به، وبين النقد الذي هو خطاب مواز للنص يستهدف تقويمه أو الحكم عليه. إن رولان بارث الذي قيل عنه إنه أمات المؤلف، قد نادى بحياة القارئ وبأحقيته في إنتاج النص وفي إعادة كتابته لأن العلاقة -عنده- بين الكتابة والقراءة ليست علاقة إرسال واستقبال، أو علاقة إنتاج واستهلاك، وإنما هي علاقة تشكلات وفق منطق خاص هو منطق السنن النصي الذي لا يلزم القراءة باتخاذ وجهة معينة، وإنما يبني ملابسات دلالية تعطيها حق المبادرة والمثابرة، وتسمح لها باقتحام منطقة الإنتاج بإعادة ترتيب أنظمة الكتابة وتشغيلها لصنع معنى النص أو أحد معانيه. وعليه فليس في أفق القراءة "البارتية" حدود لدلالات النص ولا حدود لقراءاته وتأويلاته، مادام وجوده في حد ذاته مرتبطا بتعدد منافذه وبتنوع إغراءاته لأنه منفتح بطبيعته على لعبة الدوال والمدلولات التي يلاعب القارئ في حضيرتها على مستويات عدة.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٤