تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأكثر من هذا أن الاتجاه إلى الكاتب ومحاولة إبراز أحواله النفسية ومعالجة الظروف التاريخية والاجتماعية التي يصدر عنها، لم يكن من شَواغل هذه النظرية. وهو أمر محسوب كذلك لنقادنا القدماء ولأرسطو أيضا، بمعنى أن "الاهتمام بعوامل التأثير التي تُصاحِب الأديب ساعة ميلاد النص قد ارتبطت بحركة النقد بعد ظهور الدراسات النفسية في العصر الحديث، فلم يكن من شواغل أرسطو ولا نقادنا إلا في حالات نظرية قليلة (17).

…فإذا كانت الفكرة المحورية في نظرية التلقي هي الارتقاء بدور القارئ وتَثْبيته قُطْبا فاعلا في أطراف العملية الإبداعية، فإن النقد العربي القديم أفرز لنا قُرّاءص فاعلين ومُنْتِجِين من خلال قراءتهم للشعر العربي، ويظهر ذلك من خلال التصورات المختلفة التي صاحبت إنتاج الشعر والمقاييس التي وضعها هؤلاء لشعر جيد، وشاعر فحل مُفْلِقٍ. وكذا استخلاص ابن قتيبة لبناء القصيدة العربية الذي صاغه بوضوح في قصيدة المديح. وهو نموذج أفرزته قراءة واعية ومُسْتَوْعِبَة، ونتيجة لِتَحَرُّرٍ من كل ما من شأنه أن يشوش على هذه العلاقة الصافية بين النصوص ومتلقيها.

…وإذا تقدمنا قليلا، سنجد هذا الوعي قد وصل إلى نضجه التام في تاريخ النقد العربي مع ظهور المختارات الشعرية (المُفَضَّلِيَّات، الأَصْمِعِيَّات، وحماسَتَيْ أبي تمام والبحتري).

…فهذه إنما هي رؤية نقدية نابعة من علاقة أدبية صِرْفٍ من الموروث الشعري العربي، مستمدة من مقاييس صنعتها التجربة الأدبية لهؤلاء بغض النظر عن بواعث ومنطلقات الاختيار لدى أصحاب المختارات. فما هو مشترك بين هذه المختارات هو الأبعاد الانسانية والقِيَمُ الأخلاقية والفكرية والثوابت الفنية المتعارَف عليها آنذاك. ويبقى إثبات كثير من القصائد والمقطوعات دون الإشارة إلى أصحابها دليلاً على انتصار القيم الفنية ودليلاً على درجة وعي المتلقى العربي بروعة هذا الإبداع.

…إن الاختيار، إذن تَلَقٍ وتفاعُلٌ كامل مع النصوص. وتمحيص لطبيعة هذه العلاقة بين النِّتاج الأدبي وذوق صاحب الاختيار، فلا دخل هنا لِنَزَاعات مذهبية (18).

…ومن ثمرات هذا التلقي الخالص، استنباط عمود الشعر من قِبَلِ المرزوقي بعد أن كان القاضي الجُرجاني قد وضع عمود شعر سابق يختلف في كثير من جوانبه عن عمود الشعر عند المرزوقي المُسْتَنْبَطِ من حماسة أبي تمام بصورة خاصة.

…فقد احتك المرزوقي بهذه الحماسة، ومن خلال الاحتكاك بمتنها "من الاختيارات النقدية و"الروائية" السائرة في طريق الحماسة والمخالفة لها. اكتشف المرزوقي استراتيجية اختيار أبي تمام ووعاها وعبر عن وعيه في أسئلة صريحة حول شرائط الاختيار وعمود الشعر حتى وإن بقيت الأجوبة غامضة وملتبِسة أحيانا (19) وهذه الاسئلة الجوهرية "هي نفسها التي تُطْرَحُ في كل عصر: ما الخصوصية الأدبية؟ ما الذي يميز الشعر عن غيره؟ لماذا يختلف الناس في تلقيهم للأدب؟ إنها أسئلة صريحة بما فيها من صراحة وعمق" (20).

…وستجد هذه الأسئلة صداها الكبير عند الكثير من النقاد العرب القدامى بدءاً بعبد القاهر الجرجاني في كتابَيْهِ "الدلائل والأسرار" وانتهاء بمن جاء بعده.

…

3 - خلاصة

…إن محاولة البحث عن صُوَرٍ لظواهر نقدية مُسْتَجَدَّةٍ في النقد العربي القديم قد يدفع الى الاعتقاد بأن عملا كهذا هو إجحاف في حق إجتهاد النقاد المُحْدَثِين، لكن الأمر عكس ذلك، فما نبتغيه من هذه المحاولة هو ربط الحاضر بالماضي. والنظر إلى هذا الماضي، الذي هو جزء من التراث، بمفاهيم مستحدثة على اعتبار أن التراث يمثل ألبوما حافظا لصور كل المراحل (21)، والعودة إليه إنما هي قراءة ثانية لا تلغي مجده ولا تبخس حق الحديث في الاجتهاد.

…هوامش

1 ـ أنظر مقدمة "سحر الموضوع" لحميد الحميداني.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٤٩