تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…وقال امرؤ القيس:

…فَلِلسَّوْطِ أُلْهوبٌ وَلِلسَّاقِ دَرَّةٌ…وَلِلزَّجْرِ مِنْهُ وَقْعٌ أَخْرَجَ مِنْعَبِ.

…إن ما يهمنا ليس هو تكرار الواقعة المشهورة بين كل الدارسين، ولكن الذي نأخذ به هو النتيجة، فأُمُّ جندب حكمت لصالح علقمة دون أن تلتفت إلى علاقتها بزوجها أو ظروف كتابة القصيدتين اللتين تحويان أبيات التنازع، فكان أن عَلَّقَتْ على هذا التفضيل بتعليل مُسْتَمَدٍّ من داخل النص، أي من خلال ما جاء في البيتين، وكأنها بذلك تُحَقِّقُ فكرة موت المؤلِّف التي نادت بها البنيوية وعَضَّدَ بها رواد نظرية التلقي دور المتلقي الذي مُنِحَ المكانة المتميزة. فقد بَرَّرَتْ تقديم أبيات علقمة بقُدرته على إعطاء صورة متميزة لجواده، ففي الوقت الذي احتاج فيه امرؤ القيس لِزَجْرِ جواده وتَعْنِيفِه ليكون أكثر سرعة، قدَّم علقمة جواده يعدو بطريقة انْسِيابِيَّةٍ وكأن السرعة خِصِّيصة فِطْرِيَّة فيه.

…إننا نلمح في هذه الواقعة أمرين أساسيين بوضوح: أما الأول، فالتصاق أم جُندب بالأبيات مباشرة دون أن تلتفت إلى تلك العلاقة التي تجمعها بزوجها وهو طرف في هذا التنازع. أما الأمر الثاني، فيتمثل في ذلك النُّضْج الذي أصبح يتميز به المتلقي، إذ أصبح من كثرة استئناسه بالنصوص واحتكاكه بها يتوقع ما يجب أن يقع، وأضحت حاسة النقد لديه متدربة، ومقاييس الحكم المُبَرَّرِ مُسْنًَدَة بمعرفة ودِراية. وذلك ما يسمى في نظرية التلقي ب "أفق الانتظار", فالقارئ كما يقول ستاروبانسكي هو "ذلك الذي يقوم بدور المتلقي والمُمَيِّز (أي بالوظيفة النقدية الأساسية المتمثلة في القَبول أو الرفض) " (14).

…ولعل تعليق طَرَفَةَ بنِ العَبْد على بيت خاله المُتَلَمِّسِ:

…وَقَدْ أَتَناسَى الْهَمَّ عِنْدَ احْتِضارِهِ…بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّةَ مُكْدَمِ.

بقوله: "اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ." لَدليل على رفض طَرَفَة للخلط الذي وقع فيه المتلمس بإسناد صفة النُّوق إلى الأَباعِرِ، إذ الصَّيْعَرِيَّةُ تكون في عُنُق الناقة لا في عنق البعير.

…وحين يعرض المرء إلى الانتقاذ اللاذع الذي وجَهَهُ النابغة والخنساء إلى بيت حسان بن ثابت:

…لَنَا الجَفَناتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالُّضَحى…وَأَسْيَاُفَنا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا

يتأكد أن النابغة والخنساء كانا يتوقعان أن يحقق حسان معنى أقوى للبيت من هذا الذي صنعته له كلمات: "الجِفان"، "يلمعن"، "الضحى"، "يقطرن" ... ، فاقترحا مفردات أخرى تحقق للبيت هذه القوة والمناعة. وهذه إنما هي فِطْْنة من المتلقي وتَحَسُّسٌ منه لِما ينبغي أن يصدر عن الشاعر، والتصاق مباشر بالنص.

…ومع تعاقب الحِقَبِ سيتبلور هذا الإحساس بالنص مُجَرَّدا، وستظهر صُوَرُ التلقي بالمفهوم الألماني واضحة مع الجاحظ: قال: "فإن أرَدْتَ أن تَتَكَلَّفَ هذه الصناعة، وتُنْسَبَ إلى هذا الأدب، فَقَرَضْتَ قصيدة، أو حَبَّرْتَ خُطْبة أو أَلَّفْتَ رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عُجْبُك بِثَمَرَةِ عقلك إلى أن تَنْتَحِلَهُ وتَدَّعِيَهُ. ولكن أعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تُصغي له والعيون تُحَدِّقُ إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله ( ... ) فإذا عاوَدْتَ أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهيةً، فَخُذْ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زُهدهم فيه" (15).

…الواضح والأساسي في قول الجاحظ هو تركيزه على العلاقة بين الإنتاج والجمهور، فالمُعَوَّلُ عليه هو القارئ واستحسانه أو نُفوره من هذا الإنتاج، فالنظر هنا ينسحب إلى المتلقي لا إلى النص نفسه.

…2 - 3 - التلقي الخالص

…تعددت النظريات الأدبية بتعدد أطراف العملية الإبداعية فأخذت بعض هذه النظريات تتجه نحو طرف دون آخر، مركزة كل مجهودها على الاهتمام بجانب من جوانب الظاهرة الأدبية. ونتيجة لذلك ظهرت النظريات النَّصِّيَّة التي تنزع النص من واقعه انتزاعا وتحاول مقاربته بناء على ما يختزله من مكونات تتصل باللغة والأسلوب، وفي مقابلها كانت نظريات أخرى تسعى إلى وضع النص في علاقة حميمة مع السياق التاريخي والاجتماعي والنظر إليه في ظل مناخ فكري معين. وفي كلتا الحالتين كان التفات هذه النظريات إلى المتلقي نادرا ما لم يكن منعدما. غير أن نظرية التلقي جاءت لتعيد للقارئ اعتباره مركزة اهتمامها على دوره في العملية الإبداعية لا سيما في علاقته بالنص، وكأنها بذلك تتجاوز نواقص النظريات السابقة. يقول الأستاذ محمود عباس عبد الواحد: "ومعنى هذا أن النظرية الجديدة حركَةُ تصحيح لزوايا انحراف الفكر النقدي لتعود به إلى قيمة النص، وأهمية القارئ، بعد أن تَهَدَّمَتِ الجُسور الممتدة بينهما بفعل الرمزية والماركسية. ومن تم كان التركيز في مفهوم الاستقبال لدى أصحاب هذه النظرية على محورين فقط، هما على الترتيب: القارئ والنص. فالقارئ عندهم هو المِحْوَرُ الأهم، والمُقَدَّمُ في عملية التلقي، وعلاقته بالنص ليست علاقة جَبْرِية موظَّفة لخدمة نظام أو طبقة كما في الماركسية، وليست علاقة سلبية كما هي في المذهب الرمزي. وإنما هي علاقة حرة غير مقيدة" (16).

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٤٨