تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…1 ـ التلقي في النقد القديم

…2 ـ 1 البعد التاريخي للتلقي

…قلنا إن التلقي فعل حُرٌّ قديم قِدَم الإبداع، ومُطْلَقٌ غيرُ خاضع لفترة زمنية محددة. ودون أن نُفيض في التدليل على ذلك سنحاول وضع مصطلح التلقي في إطاره التاريخي في الثقافة العربية لتبيين دلالاته. فقد وردت كلمة التلقي في القرآن الكريم غير ما مَرَّةٍ. يقول سبحانه في الآية 37 من سورة البقرة: (فَََتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّاُب الرَّحيمُ)، ويقول عز وجل في الآية 6 من سورة النمل: (وَإِنَّكَ لَتُلَقََّّى القُرْآنَ مِنْ لَدُنِ حَكِيمٍ عَليمٍ).

…إن ما يهمنا هنا، إضافة إلى قِدَمِ المُفْرَدَة، هو التركيز على الجانب التواصلي "والتفاعل النفسي والذهني مع النص، حيث تَرِدُ لفظة التلقي مرادفة أحيانا لمعنى الفهم والفِطنة وهي مسألة لم تَغِبْ عن بعض المُفَسِّرين في الإلماح إليها، ولم تغب كذلك عن أُدبائِنا ورُوَّاد التراث النقدي" (8).

وحين نعود إلى نظرية التلقي الألمانية ونستقريئ الكثير من مفاهيمها، خصوصا مفهوم "أفق الانتظار" الذي تقوم عليه نظرية ياوْس (9) ونربطها بتاريخ الأدب والنقد القديم، نتبين أنها مفاهيم مُمارَسَةٌ ومُسْتَهْلَكَة منذ أرسطو الذي أولى اهتماما خاصا للمتلقي/الجمهور. ومشهور حديثه عن التأثير الذي تُخَلِّفُهُ الأشعار لا سيما التراجيديا في المتلقي. حتى أن "رواد الفكر والأدب الغربي حتى يومنا يَنْزَعون إلى أحكامه وآرائه في مذاهبهم ونظرياتهم الأدبية الجديدة" (10).

…وهو ما يجعل بعض الدارسين يظنون أن "فكرة أرسطو حول الأثر الناتج عن عملية التلقي للنص المسرحي كانت من الأُسُس التي عَوَّلَ عليها رواد نظرية الاستقبال في حديثهم عن مهمة القارئ ومشاركته في صنع المعنى، وفي رؤيتهم لمعنى التفاعل بين النص وجمهوره (11) وهذه حقيقة لم يُلْغِهَا رواد نظرية التلقي الألمانية، وتحديدا ياوس الذي ركز على المُعْطى التاريخي في نظريته، إذ لم يُسْقِطِ البُعْد التاريخي، ولم يقطع أواصر العلاقة بين الحاضر والماضي، وهو ما عبر عنه جان سْتاروبانْسْكي بوضوح قائلا: "إن اهتمام ياوس، على هذا الوجه، بالمتلقي الذي يستجيب للمؤلِّف و "يُحَيِّنُهُ" يربط فكر ياوس بأفكار سابقة أرسطية وكانطية. وذلك أن أرسطو وكانط كانا الوحيدين تقريبا اللذين استطاعا في الماضي إقامة جمالية (خاصة بكل منهما) تأخذ أثر الفن في المتلقي بعين الاعتبار بصورة منهجية" (12).

…2 ـ 2 مفهوم أفق الانتظار والنقد العربي القديم.

…لا شك أن التراث النقدي العربي يُضْمِرُ كثيرا من الصور النَّضيرَةِ للعديد من المُمارَسات النقدية الحديثة، وبتعميق البحث في هذا التراث نُدْرِكُ أن مفهوم التلقي مُمارَسٌ بوضوح في النقد العربي القديم بمفاهيمه الحديثة التي أفرزتها نظرية التلقي الألمانية، والأكثر من ذلك أن هذه الممارسة ظلت حُرَّةً في غالب الأحيان، بعيدة عن الإكراهات التي جاء الألمان لتجاوزها بنظريتهم (13).

…ولنكون منسجمين مع أنفسنا من الناحية التاريخية نبدأ الحديث، في هذا المحور، بالنقد في العصر الجاهلي الذي اعْتُبِرَ بسيطا في جوهره لايتجاوز نَقَداتٍ وتَقَلْقُلاتٍ تَصْدُرُ عن تأثر وانطباع غير محكومين برؤية منهجية واضحة، إلا أن الكثير من نماذجه التطبيقية ذات دلالة عميقة في تفاعل الناقد والشاعر والجمهور والرواة ... مع النص دون الالتفات إلى صاحبه. وحسبنا أن نورد بعض النماذج التطبيقية كتلك التي أَرَّخَتْ لتنازع امرئ القيس وعَلْقَمَة الفَحْل واحتكامهما لأُمِّ جُنْدُب زَوْجِ امرئ القيس. عَرَضَ عليها علقمة الفحل قوله:

…فَأََْدَرَكُهَّن ثَانِيا مِنْ عِنانِهِ…يَمُرُّ كَمَرِّ الرَّائِحِ الْمُتَحَلِّبِ.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٤٧