تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…1 ـ تأطير

…ارتبطت نظرية التلقي ارتباطا آليا بالمدرسة الألمانية في الستينيات برافِدَيْهَا الأساسين: "جماعة برلين" التي كانت تنظر إلى التلقي باعتباره عملية فنية واجتماعية (2) محكومة بقاعدة فلسفية مُسْتَمَدَّةٍ من النظرية الماركسية، و"جماعة كُونْسْتانَسْ" التي تُعَدُّ المرجع الأساس في جمالية التلقي التي ستعيد للقارئ اعتباره من خلال رُوادها الكِبار "ياوُس وإيزَرْ" إذ لا يمكن، والمرء يتحدث عن التلقي، إلا أن يومي إليها بِطَرَفٍ، بل إنه يجد نفسه مضطرا للانطلاق من صميم أفكارها باعتبارها مركز إشعاع يضيء مسالك الخوض في قضايا التلقي.

…والحق أن ارتباط نظرية التلقي بهذه المدرسة ارتباط مشروع، ما لم يُلغي التصاق فعل التلقي بالعمل الإبداعي نفسه في كل العصور (3) فليس من الصواب أن تحتفظ مدرسة بعينها بحق امتلاك الرؤية الواحدة والتنظير لِما هو كَوْنِي، فالأسلم أن تتم مطارحة القضايا في إطار أوسع من التضييق الذي تنزع إليه النظريات.

…إن الوجود التاريخي لنظرية التلقي مُمَثَّلا في المدارس الألمانية يشكل حافزا إضافيا للبحث في ماهية التلقي، والعودة ببعض مفاهيم هذه النظرية إلى الوراء لا سيما إلى النقد العربي القديم.

…ومع أن الفاصل الزمني الكبير جدا يكاد يلغي مشروعية هذا البحث، فإن طبيعة الأدب وانفتاح النصوص وقابليتها لقراءات متعددة وتعاليها على البعد الزمني، مُسَوِّغَات أساسية للبحث عن صورة لهذه النظرية في النقد العربي القديم دون أن نتجاهل خصوصية كليهما، ودون أن نُغفل الظروف المحيطة بكل منهما.

…يقول محمود عباس عبد الواحد: "يبدو من محتوى النظرية، ومن الأجواء العقلية والسياسية التي صاحبت ظهورها في الأدب الألماني أن أساس المشكلة بين المتناظرين ليس فقط في فقدان التأثير المتبادل، بل مصدرها الخلافات المذهبية الحادة بين أطراف الحوار من رواد الرمزية والبنيوية، والجمالية الماركسية، والشكلية الروسية، فالنظرية، كما عرفنا، كانت تمردا على تلك المذاهب المنتشرة في ألمانيا آنذاك، ولعل اختيار مصطلح "الاستقبال" بالذات كان يمثل لدى أصحابه معنى من معاني التمرد على النقد الماركسي بشكل خاص" (4). وهو ما يجعلنا نُدْرِكُ أن ما يميز نظرية التلقي الألمانية "هو أنها تطورت في إطار استراتيجي جماعي، بحيث كانت هناك قاعدة مُوَحَّدَة تجمع الباحثين الذين يشتغلون في دائرتها، وعلى رأسهم هانْسْ روبرت ياوس، وفولْفْ جانج إيزر " (5).

…إن أبرز فكرة جاءت من أجلها نظرية التلقي هي إعطاء القارئ مكانة متميزة ضمن العملية الإبداعية. فالنص ليس ذا قيمة ما لم يُقْرَأ وما لم يكن قابلا لقراءات متعددة، مُسْتَعْصِيا على أن يُسْتَهْلَكَ من قراءة واحدة، وهذا بالذات هو ما حاولت الاتجاهات السابقة على نظرية التلقي تزكيته، إذ كان جهدها ينسحب إلى إبراز القيمة الفنية للنصوص في ذاتها وما تختزله من جمالية دون الالتفات إلى جهد القارئ. فالنص في نظر هؤلاء قائم بذاته مكتمل بما يختزله من مكونات، غير منقوص بقراءة أو مبتور بفهم، وما القارئ إلا مستهلك باحث عما يفترض أنه كائن في هذا النص الذي يكفيه حاجته. غير أن نظرية التلقي ستنحو منحى مخالفا لهذا الإيمان "بعبقرية النص"، ولذلك "بدا من الصعب أن يخطر ببال النقد أن النص ليس في وسعه أن يمتلك المعنى إلا عندما يكون قد قُرِئَ " (6).

…إن التلقي، بغض النظر عن ميزة النص ومَلَكَةِ القارئ، فِعْلٌ إنساني خالص مُتعالٍ عن الزمان والمكان، قبل أن يُحاصَر بتصورات تحاول وضعه في إطار خاص وفق توجهات محددة (7). ونحن بهذا لا نريد خَلْخَلَةَ ما تَرَسَّخ في أذهان المهتمين بالنظريات، ولا نريد أن نَحْجُبَ بهذا التعميم البُعْدَ المنهجي في تصورات المدارس. وإنما نهدف فقط توسيع المفهوم وألاَّ يُخْتَزَلَ في مدرسة بعينها، وإن كنا سنركز في كثير من الأحيان على ما جاء في مدرسة كُونْسْتانَس محاولين إيجاد صورة لأطروحاتها في النقد العربي القديم.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٤٦