إن استثمار طاقات النفي في النص الأدبي يمكن القارئ من إعادة النظر في الأعراف المتواضع عليها و التي ستبدو في المنظور الجديد و كأنها قد تقادمت و يمكن تجاوزها. و هدا التشكيك الوظيفي هو الذي يسميه " إيزر " " البديل غير المصوغ للنص المصوغ " , و هو أشبه ما يكون بالبنية العميقة و التي لا يسمح إلا للقارئ المشارك باستجلائها؛ و في هذا الاستجلاء تكمن قوة الدفع بالنسبة للتواصل الأدبي. فالأدب و منذ القديم - كما يقول إيزر - يضم أمثلة كثيرة من إخفاقات البشر , لكن المقصود منها هو التنبيه إلى أسبابها الخفية التي على القارئ أن يتصورها أو يبحث عنها؛ فهي إذن تقدمها كمحور للموضوع التخيلي أو كصورة سطحية للتشوهات التي تستلزم البحث عن علاج ممكن. إنها تهيئ الإجراءات الضرورية لتحيين الشروط غير المعلنة التي كانت سببا في وجودها , و بهذا المعنى يمكن وصفها بالبنية التحتية للنص الأدبي كما يمكن وصف البعد الدلالي للنص بأنه " الجانب المعكوس أو الوجه الخفي لما يصوره " و هو ما يدعو المتلقي في العملية التواصلية إلى تجاوز العالم من أجل حقيقة السبب الضمني في سؤال العالم. فالسؤال المطروح في النص مرتبط ارتباطا حميميا بجوابه الممكن. إن طاقات النفي تساعدنا إذن على تحرير ذواتنا من حياتنا , كما تمكننا من استيعاب أفكار الآخرين , و لذلك جعل منها " إيزر " "وردة متفتحة" في الأدب الحديث كما اعتبرها أداة تربوية في مشروع تنويري , و لو أن كبار فلاسفة " النفيية " من نيتشه إلى هيدجر و دريدا قد تخلوا عن ذلك المشروع منذ زمن طويل؛ لكنه يرى أن من حق الأدب بالذات و ربما بسبب طبيعته الخاصة أن يعيد النظر في صحة المعايير المألوفة و بكيفية مستمرة؛ و من ثمة يجعل القارئ " يعيش تجربة جديدة باحتكاكه بعالم لا يعرفه و في شروط يجهلها " 1
إن ما كان سائدا في السابق هو أن يأخذ القارئ المعلومات من النص بكيفية استهلاكية و سلبية , فيظل النص مهيمنا على الموقف و يظل القارئ بعيدا عن عملية الإنتاج؛ و يُبخَس الاثنان نصيبهما. لقد سئل أحد الفلاحين عن سبب ضعف إنتاجية أشجاره فقال بسذاجة و بساطة: إن النحل قليل! و نحلة النص قارئه يتغذى منه و يلقحه؛ فلا النص وحده بقادر على أن ينتج كل الإنتاج و لا القارئ يجد ما يشحذ مخيلته و يذكي فهمه إلا في النص و من وراء النص.
إن المعطيات الكامنة داخل النص و خارجه تسهم في خلق التفاعل الإيجابي بين المرسل و المتلقي , بين النص و القارئ و تساعد على استشفاف الأنظمة الدلالية التي تمثل امتدادا تاريخيا في المجتمع , و بذلك فهي تتجاوز حد المتعة الفنية لتخلق ديناميكية إنتاجية بين سنن النص و سنن القارئ. و هذه الديناميكية أو الرغبة في تفعيل القراءة تبدأ مع بداية جمع مواد النص و تنظيمها، ثم محاولة دمجها في بنية جديدة تنتظم قيما حاضرة و قيما غائبة , و بخطة مرسومة لتحيين الافتراضات الممكنة , في الوقت المناسب و بالعمل المناسب كي يتقابل نص الكاتب و نص القارئ تقابلا إبداعيا إيجابيا و سليما. و إذا كان هذا التعاون الإنتاجي شرطا حتميا بينهما فإننا لا نريد تواطؤا مبتذلا - كما يقول " Karlheinz Stierle " - و لا نريد تمردا ينتهي إلى إلغاء النص لصالح وهم ينتجه القارئ نفسه و ربما بدافع النص ذاته.2 و إنما نريد مساءلة ديناميكية و فاعلة تنجح في إعادة بعض التداولية للإرسالية الأدبية دون أن تفشل في الإبقاء على طابعها الإيقوني كما يقول " أمبرطو إيكو U.Eco " , ولذلك ينبغي أن يكون مصير النص القرائي محسوبا ضمن خطته البانية , كما أن من شأن بحث ميكانزمات القراءة أن يساعد على فهم حقيقة الوقع الجمالي للأثر الأدبي و ما يمكن أن يترتب عن التفاعل المنتج بين القارئ و ما يقرأه.