1 - Wolfgang Iser : L'acte de lecture - théorie de l'effet esthétique - Bruxelles - Mardaga 85 , P 70
2 - فولفغانغ إيزر: فعل القراءة (نظرية جمالية التجاوب) ترجمة حميد لحميداني و الجلالي الكدية - فاس 95 ص 57.
و معنى هذا أن تجربة القراءة تنشأ بين المعطى و تعديله , كما تنشأ من خلال التفاعل الحاصل بين الجديد المدرك و القديم المستدرك , و هذا ما يذكر أيضا بمفهوم " القراءة الاسترجاعية " عند " ريفاتير " التي تساعد القارئ على تعديل مواقفه كلما تقدم اتصاله بالنص و كلما قدر على استثمار إمكانياته و التعرف على استراتيجياته ...
إن النص الأدبي لا يقدم المدلولات مباشرة , لكنه يتضمن سلسلة من التعليمات التي ستساعد على إنتاج المحتويات التمثيلية له؛ و تبدأ هذه العملية مع بداية جمع " المتن " أو "السجل" و هو - كما يقول إيزر - " كل ما يعود من خارج النص إلى النص مثل الحضور التناصي و المعايير الاجتماعية أو التاريخية مما يشكل السياق السوسيوثقافي الذي ينبثق منه النص. و كل العناصر المستوعبة في المتن النصي تصبح ذات دلالة خاصة داخل التمثيلية Configuration الجديدة؛ و على القارئ أن يعيد النظر في قيمها السابقة كي يعطي النص بنية متساوقة و يقيم أود الوضعية التلفظية و التواصلية. و بما أن النص لا يقول كل شيء و لا يريد أن يبوح بشيء فهو إذن مليء بالفجوات و الانكسارات المتمثلة في الانفكاكات و الانفصالات الموجودة بين عناصر المتن المدمجة و التي يتعثر فيها القارئ أثناء قراءته أو أثناء وجهة نظره الجوالة في النص , و هي تنقسم بحسب إيزر خاصة إلى:
1) الفراغات أو البياضات التي تكسر النسقية الخطية للنص و تترك للقارئ مهمة ترميمها؛ ذلك أن النص الأدبي يفرغ المعايير الخارجية من مقاماتها التداولية , فينتج ذلك بياضات كثيرة تخلق بدورها إمكانيات عديدة لإعادة الترابط و الوصل. و هو ما يشكل منبعا لتنشيط ملكات التخيل عند القارئ و يجعل الموضوع الجمالي مشتركا بينه و بين الكاتب؛ و لهذا يتولد عندنا إحساس كما يقول إيزر Iser " بأن النص المستمر هو نص فقير حينما نقارنه بالنص المنفصل الذي يمكننا أن نعيشه بطريقة مكثفة " 1. و تتمثل وظيفة " البياضات " البنائية في كونها تخلق فضاءات مناسبة لتبادل الإسقاطات , " حيث يُجذب القارئ داخل الأحداث و يُلزم بإضافة ما يلمح إليه فيها من معنى من خلال ما لم يذكر 2. و عليه تكون عملية التواصل في الأدب متوقفة على التفاعل المسترسل بين ما هو خفي يحث القارئ على الفعل و بين ما هو جلي يراقب عملية الاستكشاف و الوصل و ينظمها. و هكذا ترسم البياضات و الأماكن الشاغرة الطريق من أجل قراءة النص , بتحفيز مشاركة القارئ في إتمام بنية المواقع المتغيرة , و بذلك يتحقق إنتاج
1) نفسه ص 101.
2) نفسه ص 100.
الموضوع الجمالي و يتم تحيينه.
على أن " إيزر " يميز بين البياض بما هو " وصلة " منعدمة قد أغفلها النص عنوة كي يستخلف القارئ مكانها؛ و بين البياض الناتج عن العلاقة الترددية بين التيمة أو المقطع الحاضر , و الأفق أو المقطع المتواري حيث يفقد البياض الذي هو مكان الخلف في النص تلاؤمه التيمي في الوعي القارئ فيحتاج إلى إعادة استحضار متعاقبة ...
2) طاقات النفي Potentiels de négation التي تبطل ما هو مألوف في العناصر الآتية من خارج النص. و تعتبر بمثابة محصلة الخروج من النسقية المعتادة و افتقاد السياق الذي تتعرض له تلك العناصر أثناء إدماجها في النص. و بهذه الحركة النافية يتنكر النص و لو جزئيا لمعاييرها الأصلية فيهيئ بذلك نوعا من إعادة التقدير الافتراضية في الإطار المحسوس لفعل القراءة , كما يوجه المشاركة الإنتاجية للقارئ الذي عليه أن يعيد التقويم للحصول على مقبولية جديدة في إطار التشكل النصي ذاته.