تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعليه، فإن العمل الأدبي قد يراعي أفق انتظار القارئ عندما يستجيب لمعاييره الفنية والجمالية والأجناسية عبر عمليات المشابهة النصية والمعرفة الخلفية وقواعد الأجناس والأنواع الأدبية التي تعرفها في نظرية الأدب. ولكن قد يخيب توقعه ويفاجأ إذا واجه نصا حداثيا جديدا لم ينسجم مع القواعد التي يتسلح بها في مقاربة النص الأدبي. فعندما نقرأ الروايات الكلاسيكية فإنها تراعي أفق انتظار القارئ الذي تعود على قراءتها من خلال معايير وآليات تجنيسية وتحليلية معروفة. بيد أنه إذا أعطيت لهذا القارئ الكلاسيكي رواية حداثية فإنها ستصدمه بطرائق فنية جديدة تنزاح عما ألفه من مفاهيم القراءة التقليدية بسبب الانزياح الفني بين الطرائق الموجودة في السرد الكلاسيكي والسرد المعاصر. ويعني أن هناك مسافة جمالية تربك القارئ وتجعل توقعه الانتظاري خائبا بفعل هذا الخرق الفني والجمالي الذي يسمو بالأعمال الأدبية ويجعلها خالدة مثل: رواية دون كيشوط لـ (سيرفانتيس) لدى يوس، ويقصد - يوس- بالمسافة الجمالية: "ذلك البعد القائم بين ظهور الأثر الأدبي نفسه وبين أفق انتظاره، وإنه لايمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود أفعال القراء على الأثر، أي من تلك الأحكام النقدية التي يطلقونها عليه. وهنا أكد يوس على أن الآثار الأدبية الجيدة هي تلك التي تنمي انتظار الجمهور بالخيبة، إذ الآثار الأخرى التي ترضي آفاق انتظارها وتلبي رغبات قرائها المعاصرين هي آثار عادية جدا تكتفي، عادة، باستعمال النماذج الحاصلة في البناء والتعبير، وهي نماذج تعود عليها القراء. إن آثارا من هذا النوع هي آثار للاستهلاك السريع سرعان ما يأتي عليها البلى. أما الآثار التي تخيب آفاق انتظارها وتغيظ جمهورها المعاصر لها، فإنها آثار تطور الجمهور وتطور وسائل التقويم والحاجة من الفن، أو هي آثار ترفض إلى حين حتى تخلق جمهورها خلقا." (7) وهناك نصوص تغيير أفق انتظار القارئ الذي يجمع بين الذكاء والفطنة حيث يتعلم بسرعة كل ما هو جديد ويتكيف مع كل نص طليعي أو حداثي حيث يغير هذا القارئ من آليات قراءته وأدواته حتى ينسجم مع معطيات النصوص المفتوحة. ويمكن لنا أن نوضح ما قلناه في هذه الخطاطة:

ويبدو أن الدراسة الأدبية عند يوس: "ليس تحليل النصوص تحليلا هيكلانيا مضمنا بها، وليس هو أيضا استعراض المعارف المتعلقة بالكاتب وبالأثر، وإنما هو التخاطب الأدبي من خلال ما تتسم به الأوضاع التاريخية والاجتماعية والثقافية من خصائص. إن موضوع الدراسة الأدبية هو أن نعرف كيف أجاب الأثر الأدبي على ما لم تجب عليه الآثار السابقة من قضايا، وكيف اتصل بقرائه أو خلقهم خلقا". (8)

وإذا انتقلنا إلى مرتكزات هذه النظرية فيمكن حصرها في المفاهيم التالية:

1 - ثنائية القارئ والنص،

2 - التأثير والتواصل،

3 - العمل الأدبي بين القطبين: الفني والجمالي،

4 - التحقق والتأويل،

5 - القارئ الافتراضي المثالي،

6 - أفق الانتظار،

7 - ملء البيضات والفراغات والبحث عن النص الغائب،

8 - النص المفتوح،

9 - المسافة الجمالية.

أما عن مرجعيات هذه النظرية الأدبية، فإن روب هولمب يوجزها في خمسة مؤثرات هي على التوالي:

1 - الشكلانية الروسية،

2 - بنيوية برا?،

3 - ظواهرية "رومان إنجاردان"،

4 - هيرمينوطيقا "جادامر"،

5 - سوسيولوجيا الأدب في نهاية الأمر. (9)

هذا، وقد كانت هناك مؤثرات وراء تشكل نظرية التقبل منها النظرية الفنومولوجية أو الفلسفة الظاهراتية التي ظهرت في ألمانيا مع هوسرل ورومان إنجاردان، وترتكز هذه الفلسفة على ترابط الفكر والوجود الظاهري للأشياء. وبتعبير آخر، تؤمن هذه الفلسفة بتفاعل الذات والموضوع بطريقة تواصلية من الصعب الفصل بين القطب الذاتي والموضوعي. أما المعنى فإنه يستخلص من خلال التفاعل والتواصل بين هذين الفاعلين. وهذا ينطبق على تفاعل القارئ مع النص تفاعلا تأويليا تحققيا قصد الوصول إلى الدلالة وإعادة بنائها من جديد. وساهمت التأويلية لدى جادامر في دراسة الكيفية التي نتعامل بها النصوص عن طريق استنتاج المعنى سواء أكان ظاهرا أم مخفيا عبر عملية الفهم والانتقال من المعنى إلى الدلالة ثم تأويل النصوص وذلك بتفسيرها جماليا وفنيا. وهذا التأويل التفسيري يختلف من سياق تاريخي إلى سياق تاريخي آخر. كما تقوم سوسيولوجية الأدب بدور مهم في استقراء إحصائي للقراءة الجماهيرية وطبيعة القراء والقراءة وكيفية الاتصال. كما أن البنيوية سواء أكانت شكلانية أم لسانية وظيفية أيضا كان لها تأثير في دراسة النص والإشارة إلى عملية القراءة وأنظمة التواصل الجاكبسوني (التركيز على عناصر التواصل الست: المرسل والمرسل (10) إليه والرسالة والقناة والمرجع واللغة) والتركيز على البنيات الشكلية للنص كالإشارة إلى عوامل السرد من كاتب ضمني وقارئ ضمني ...

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٣