و عليه فالنص يستبطن قارئه و يتهيأ له , كما يتوخى منه أن يحرك جميع معطياته لتحقيق أقصى قدر من إنتاجيته. إن فعل القراءة يبدأ في الحقيقة - كما يقول " ريفاتير Riffaterre " مع بداية المعالجة اللغوية و الأسلوبية للمقروء و محاولة تجاوز إكراهاته البنائية و فك سننه و معرفة سياقاته بحل تناقضاته المتتالية " 2
بيد أن القارئ الذي يناط به كل هذا الدور و ينتظر منه كل هذا الفعل ليس مغفلا أو متروكا لاجتهاداته الخاصة فحسب , و إنما حسابه في ذهن الكاتب أصلا , و ربما اتخذ منه نوعا من الذريعة لبناء استراتيجية نصية خاصة يتوقع منه أن يستفيد منها أو يتعامل معها أو يستجيب لها. و لعل ذلك ما دعا " أمبرطو إيكو U.Eco " الى أن يقول: " أنا بحاجة إلى قارئ يكون قد مر بنفس التجارب التي مررت بها في القراءة أو تقريبا " 3 و معنى هذا أن القارئ الفعال مشابه للكاتب الفعال في معرفة دقائق النص و إدراك مراميه , وهو الذي يحس بالحجر من تحت النعل كما يقال. و إذن فهناك نوع من التعاون الضمني أو المساندة المتبادلة بين الكاتب و محققه؛ و بنِية تفعيل القراءة يقوم الكاتب ببناء استراتيجية النص التي يسميها" إيزر W.ISER"" البنية النصية
1 - W.G. ISER : L'acte de lecture - Mardaga - Bruxelles 1985 - P 60 .
2 - Michael Riffaterre : essais de stylistique structurale - Paris . Flammarion 1971.p 46
3 - Umberto Eco : Lector in fabula…Paris 1985 - P 11
المحايثة للمتلقي " و يقصد بها " مجموع التوجيهات الداخلية التي يهيئها النص الأدبي لمجموع قرائه المحتملين " 1 و تأتي ضرورة هذه العملية من كون الخطاب الأدبي " غير تداولي Dépragmatisé " أو منزوع التداولية , و لذلك يحتضن عددا من الإشارات و التوجيهات التي قد يستثمرها القارئ في محاولة إعادة تداوليته (répragmatisation) و بضغط منه عليه كذلك. و عليه فالاستراتيجية هنا هي رسم الخطة أو تهيئ الشروط ليس للانتصار على الخصم بهزمه و إنما للانتصار معه , أي بمساعدته على تحقيق النجاح في مهمته التي هي تفعيل النص و فك ترميزاته , و إبلاغه مداه أو بعض مداه الانفعالي و التواصلي ...
و تقوم خطة النص في الغالب على تقديم مجموعة من الاحتمالات التوافقية (Possibilités Combinatoires) التي يتكئ عليها في عملية الفهم أو التأويل , و منها مثلا وجود تنظيم خاص يحكم العلاقة بين العناصر التكوينية في النص الأدبي كما يحدد تمفصلاتها البنائية.
و لننظر مثلا إلى ما يسمى بالاستراتيجية المقطعية: فالنص لا يتهيأ كلية و دفعة واحدة , و إنما تتم قراءته في خط زمني مسترسل باسترسال مقاطعه؛ و كلما دخل مقطع في الحقل البصري للقارئ كان أكثر تأثيرا عليه دون أن تغيب المقاطع الأخرى التي تتراجع إلى الخلف لكنها تستمر في التأثير على الوعي القارئ و على مجريات القراءة , وهو ما يسميه " إيزر " ب "وجهة النظر الجوالة Principe de perspective " و تتمثل ديناميتها في تفعيل القراءة بكونها تستغل التوتر القائم بين التيمة و الموضوعة (أي ما هو تحت البصر) و بين الأفق (أي ما هو في الخلف أو في العمق) و بذلك توجه القارئ أثناء عبوره المرتقب للنص , و تجعل وجهة النظر القرائية تنتقل تباعا بين المقاطع التي تكون أحيانا تيمية و أحيانا أفقية.
يقول إيزر: " لا يمكن تخيل موضوع النص إلا من خلال المراحل المختلفة و المتتابعة للقراءة. إننا دائما نقف خارج الموضوع المعطى في حين أننا نحتل موقعا داخل النص الأدبي؛ و بالتالي فالعلاقة بين النص و القارئ تختلف تماما عن العلاقة بين الموضوع و الملاحظ: فبدل علاقة بين الذات و الموضوع , هناك وجهة نظر متحركة تتجول داخل ذلك الذي ينبغي أن تدركه هذه الوجهة. و هذه الطريقة لفهم موضوع مّا تكون خاصة بالأدب " 2