تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1 - J P sartre : qu'est ce que la littérature ? cité par W . ISER : l'acte de lecture p 199

و في القراءة يتقابل النص المكتوب مع القارئ الذي هو بدوره نص كبير - كما يعرفه رولان بارت - فتقع الاستجابات و التجاوبات و تتم التدخلات و التداخلات , فينبثق الفهم و ينبثق التأويل , و إذا كانت قوة النص تكمن في قدرته على إغراء القارئ و إغوائه و جره إلى عالمه كي يحقق هويته و يبرز معانيه؛ فإن قوة القارئ تتمثل في إغناء النص و إثرائه بتشغيل مدخراته و الاستعانة بمخزوناته الثقافية و المعرفية المباشرة و غير المباشرة.

و لذلك فقد ازداد اهتمام النظريات النقدية الحديثة بالقارئ و المتلقي الذي أصبح دوره معتبرا في تحقيق النص و في تحقيق عملية التواصل المرجوة منه. و قد ساعد على ذلك انتشار مفاهيم الظاهراتية التي تفسر الوعي بأنه دائما وعي بشيء ما و أن العلاقة بين الذات و الموضوع هي علاقة مقصدية تتجه بسهم الوعي نحو الموضوع الذي هو قطب الاهتمام و لذلك فالتفكير و موضوعه مترابطان داخليا و متوقفان على بعضهما 1. و من ثم طرحت فكرة اشتغال النص (الأدبي) من خلال قراءته أو قرائه؛ و هي الفكرة التي تُحَيّن دور القارئ و تعيد له اعتباره في العملية الإنتاجية و التواصلية التي تنقل النص من الوجود بالقوة على الوجود بالفعل.

و ينقسم الدور الذي يسند للقارئ بحسب نظرية التلقي إلى ما يتعلق بتوقع القارئ و ما ينتظره من النص و هو الطرح الذي يقدمه " ياوس H.R.Yausse " و يدافع عنه , و بمقتضاه يجعل من مفهوم " أفق الانتظار "و إعادة تشكيله أطروحة مركزية في تفاعل القارئ أو القراء مع النص و تحديد قيمه المختلفة؛ عن طريق منطق السؤال و الجواب الذي يدفع بالمتلقي إلى استدعاء خبرات متعددة لإقامة فهم جديد , و إلى تنشيط الحوار بين كل ما هو ماض معروف و حاضر موصوف و مستقبل مرتقب.2 و كلما نجح النص في خلق مسافة توتر بينه و بين آفاق الانتظار السائدة , كان تحفيزه للقارئ أكبر و كانت مساهمته في تطوير فن الكتابة و فن الفهم و التأويل أقوى و أرقى. و لذلك يقترح " ياوس " أن يكون هناك تمييز بين أفق الانتظار الأدبي الذي يقتضيه العمل الجديد , و بين أفق الانتظار الجماعي الذي يقرر معيار القراءة التقليدية و يُكيف عملية التلقي. 3 و يتمثل تفعيل القراءة بحسب هذا الطرح في تلك الجدلية القائمة بين الأجوبة السابقة و الأسئلة اللاحقة التي تدفع بالمتلقي إلى محاولة فك المعضلة و البحث عن إدراك

1 - تيري إنجلتون " الظاهراتية و الهيرمينوطيقا و نظرية التلقي " بحث ترجمه محمد خطابي - مجلة علامات ع 3 سنة 1/ 1995.

2 - H.R. Jausse : pour une esthétique de la réception . P 113 - 114

3 - Ibid , p 258

مناسب لبنية العمل الجديد , بما يحقق جماليته و يؤكد إنتاجيته ...

أما القسم الثاني فيتعلق بوقع النص على القارئ و ما يحدثه فيه و هو ما يجعل من تفاعل القارئ مع النص مشاركة فعالة و إيجابية في تحقيق إنتاجية النص و إقامة دلالاته.

و هذه التجربة أو الشق الثاني من النظرية هي التي تجعل من النص شيئا حافزا للقارئ كما تنشط القراءة و تفعلها بواسطة الميكانزمات البنائية. لكن ذلك يقتضي ضرورة التسليم أولا بوجود القارئ الذي سيجسد الاستعدادات التي يهيئها النص و الذي سيستجيب لاستراتيجيته المرسومة. و هو العنصر الإبداعي المحايث أو الطرف الذي يسميه " إيزر W.G.ISER " بالقارئ الضمني. و هو قارئ تجريدي تؤسس خصائصه من قبل بعيدا عن الوجود الحقيقي. يقول " إيزر ISER " : " ينبغي أن نفهم (من القارئ الضمني) تلك البنية المسجلة في النص ... إن القارئ الضمني لا وجود له بالفعل , و إنما تجسده مجموع التوجهات القبلية التي يقترحها النص التخيلي على قرائه الممكنين و التي هي شروط تلقية و أشراطه ... إنه متجذر في بنية النصوص ذاتها " 1.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ٣٧