يحاول القارئ أن يتنبأ لمشروع لمعنى ممكن للنص، وإذا كان النص عند امبرتو إيكو (Umberto Eco) حاملا لقصدية مؤلفه ومتضمناً له، فهو "يتوقع قارئه النموذجي القادر على الاشتراك في الترهين النصّي بالشكل الذي خمنه الكاتب وفكّر فيه " [8]، وإذا كان القارئ ينشئ فرضية من بين فرضيات عدّة، فهي تأخذ صفة الاعتباطية، ويلزم عليه في الأخير أن ينتقي منها ما ينسجم مع النص، ويقصي ما يتنافى معه تقريباً، وتلك الفرضية لن تكون إلا نسبية الوجود، ومن ثم تلي تلك الفرضية مرحلة التفسير التي تحتاج إلى مهارة إضافية.
والحال أنّ النظر إلى النص باعتباره نشاطاً معطى لقارئ نموذجي في وضع يُبسط فيه هذا الأخير كاستراتيجيه نصّية، فهي تسمو إلى تحقيق الفعل التأويلي لإدراك مقاصد النص و استشفافها والتعرّف عليه، كما أنّ إدراك هذه الغيرية يقتضي النظر إلى ما يضمره النص، من خلال النظر إليه كعالم مرجأ التحقيق ترهنه نظرة القارئ، والنظرة التي يلقيها القارئ التجريبي أو القارئ المجسد تحوّل النص إلى موضوع ينشئ علاقة متبادلة بين قارئ تجريبي ومؤلف نموذجي مفترض "فقد تُعد الفرضية التي يروح القارئ التجريبي يصوغها فيما يخص مؤلفه النموذجي أصوب من الفرضية التي يعمد المؤلف التجريبي إلى بثها في شأن قارئه النموذجي" [9].
فيغدو المؤلف النموذجي كفرضية تأويلية لقارئه التجريبي، ومن الصعوبة بمكان إدراك القارئ النموذجي إلا عبر قارئ حقيقي، وهذا القارئ النموذجي هو ما يعدّه فولفغانغ إيزر (Wolfgang Iser) " قارئاً ضمنياً" والذي يعتبر "مجسّداً كلّ الاستعدادات المسبقة الضرورية بالنسبة للعمل الأدبي لكي يمارس تأثيره، وهي استعدادات مسبقة ليست مرسومة من طرف واقع خارجي، بل من طرف النص ذاته" [10]، فهي مسألة تمثل مشكلة بحد ذاتها عند إيكو وتستطيع أن تكون مغامرة تأويلية في الآن ذاته تنحو للتعاون النصّي بين قارئ يروم البحث في مقاصد متضمنة عبر خطية النص وسننه، فالقراءة " الأكثر نجاحاً هي تلك التي يمكن فيها للذاتين المبدعتين أي المؤلف والقارئ أن يتوصلا إلى الاتفاق التام" [11]، فالنص يعيد بناء الذاتين معاً من جهة، ومن خلال تماهي الأولى في الثانية من جهة أخرى.
ويجدر بنا أن نتعرف أنفسنا كقرّاء داخل نمط معين للنص، ولن نتحكم في سيرورة الفهم إلا بطريق الإدراك والتوجهات التي تستثيرها ذهنية الذات "فباعتباري قارئاً فإنّي لن أعتر على نفسي إلا بتيهي " [12]، وذلك ناتج عن الحدس ممّا يمكِّن بواسطته فك شفرات النص وترهينه، بما هو حوار يستدعي استفسارات قارئه وأسئلته.
إنّ اعتماد التأويل على الفعل التخييلي يتعلق بجدلية تعدد المعاني، المسألة التي تبقيها مفتوحة على التدليل أو (السيميوزيس) عند شارلز ساندرز بيرس (Charles Sanders Peirce) على أساس أنّ الافهام تختلف للتوصل إلى المعرفة الحقة، ولتخطي عقبات اختلاف القراءات ينبغي أن تحقق في أقصى تحديد لها المعنى الأوّلي الذي لا لبس فيه، فيتضح المعنى الذي يمكن أن نرى فيه حاملا للمعنى الممكن للنص، ونزع إمكانيات الارتياب في تقصّيه " فلكي يأتي قرّاء عديدون بدلالات متعددة لنفس الواقعة، يجب أن يتفقوا في البداية على أنّ هذه الواقعة تحيل في بعدها الظاهري المباشر على معنى أوّلي لا يطعن فيه أحد" [13].
فالسيطرة على المعنى الحقيقي أو السرّ الكامن (Immanense) يحتاج إلى مقاربة تحفر خلفه، ممّا يقتضي حضور مجموع من الافتراضات التي يحكمها التأويل في سيره الذي يلج مستويات النص، بما أنّه نفسه يخفي جوهر المعنى عن القارئ. فيشحذ القارئ تأويلاته والتي يعمل على الدفاع عنها كافتراضات يقينية، تغدو في الأخير الموضوع الشرعي الذي يقبض على مغزى النص بشكل يما هي بين الذاتين "فللعلامة الحق في أن تحدد قراءتها حتى لو ضاعت اللحظة التي أنتجتها إلى الأبد أو جهل كاتبها ما يود قوله، فالعلامة تسلم أمرها لمتاهتها الأصلية " [14]، إنّ هذه المتاهة التي تبقى غامضة يمكن أن تتضح حين نرى فيها كوناً حاملاً للمعنى بإزالة القناع عنه وتخطيه، ويكون بطريق الفهم الفردي وإدراكه الخاص.