إنّ موضوع الفهم مرتبط بالأساس بموضوع الهرمنيوطيقا كونها أتت تبحث عن عمليات الاتصال، وكذا اعتمادها على الفهم، ومن ثمة فإننا نستعين بكل ما يمكّن منها أن يفيد في دراستنا هذه، فقد تساءلت الهرمنيوطيقا عن الفهم ومصادره وأهميته لفهم عقل الآخر، فعند بول ريكور (Paul Ricœur) يسعى الفهم إلى "التطابق مع باطن المؤلف إلى التساوي معه (Sich.Gleichsetezan) وإعادة إنتاج (Machbiden) السيرورة الإبداعية، التي ولدت الأثر الإبداعي" [2]، والسائد أنّ القارئ ينطلق من مبدأ الوصول إلى تأويل محكم لكل النص.
والحقّ أنّ الفهم هو بذاته ينبني على عملية تأويلية، فقد صار عند هانز جورج غادامير (Hans-Georg Gadamer) يشير إلى "الأفق التاريخي"، وعند هانز روبرت ياوس (Hans Robert Jauss) إلى "أفق الانتظار"، ذلك أنّ الفهم ينبني دائما وفق أفق يكون منتظماً مسبقاً، وهو حركة تعرف وجودها الخاص بالاتصال المباشر مع النص ويكفّ عن الانحباس داخله، بفضل طبيعته التي تمثل حالة من النشوء الانتقالي المتتابع، والذي يهيئ رؤية للموضوع ويساعد على فهمه، فالفهم ينشأ داخل النص ويستقر عنده.
ويكفي أن نصدر أحكامنا الخاصة مادام موجود لدينا حسّ مسبق بالخطوط القصدية الذي يعبر المعنى البدئي بطريق الإدراك، والفهم هو فعل تخمين بدئي فعند "هيرش (Eric D. Hirsch) يرى أنّ كون الفهم في البداية تخمين لطيف (أو مغلوط)، ولا توجد مناهج لتكوين تخميناتنا ولا قواعد لتوليد البصائر، إذ تبدأ الفعالية المنهجية للتأويل حين نباشر باختبار و نقد تخميناتنا" [3]، وهذه التخمينات تنبني وفق إبستيمات ضمنية موجودة في ذهنية القارئ وأفقه الخاص، أو ما يعتر عليه من معارف داخل النص.
والفهم المسبق هو ما يهيئ حدوث افتراضات للنص، الذي لن يكون أبداً متمم التكوين، إنّه مفترض المعنى يستدعي حضور الذات المقوِّمة وتخمينه، لملء بنية النص بطريق الخبرة الفردية التي تفتحه. "فالقراءة هي لعبة تخمين سيكو-لساني لا يشكل فيها النص إلا مجموعة من المؤشرات التي ينتقي منها القارئ ما يحتاج إليه " [4]، غير أنّ هذا الفهم المسبق يشير له غادامير بأنّه يعني التحيّز الذي هو "الحكم الذي يسبق التحري والبحث، وضرورة مثل هذا الحكم المسبق تشير إلى أنّ الفهم ممكن بما أنّ الفهم نفسه يكون قد ابتدأ دائماً وباستمرار" [5].
فهذه الأحكام المسبقة هي ما يعين على القدرة لإدراك عوالم النص وتشكّله، بحيث يمكن في الأخير رأب ما يحتاج إليه النص، وتلك الأحكام تستمد وجودها من تعالقات الذات مع عالم الأخر الذي هو عالم النص، فياوس يرى بأنّ "ما تقدمه لنا التجربة الجمالية ليس اندماجا في الآخر، أي في غيريته كما تقتضيه التجربة الصوفية ولكنه أفق عالم آخر يتجه نحونا هو الذي يسمح لنا بفهم فرادته كإمكانية ليكون مختلفاً" [6]، أي التعرف إلى الآخر والذات في نفس الآن، وكل ذلك يكون بطريق النظر إلى النص كإمكانية اندماج للآفاق التي يحمله، والتي يأتي بها القارئ إلى النص.
والحقّ أن لحظة الفهم تعتبر بداية مسار لفروض تكون متوقعة من طرف القارئ تسير وفق تصوّر معين للموضوع، وذلك بإضفاء خبرته الذاتية كشرط يفحص أبنية النص وإمكانيات الفهم، ويتم ذلك بفحص الأحكام المسبقة وممكنات النص، بما يُحدث في الأخير انصهاراً للأفقين، فعندما يقرأ القارئ يتبدى له المعنى الأوّلي للنص دون أن يتوانى لحظة عن إضفاء معنى شامل لجميع النص، وهذا المعنى يرتسم من خلال قراءة مسبقة تكون بدورها خاصة بذاتية القارئ، وتحاول الذات أن تتطابق مع معطيات النص بشكل يجعل من النص ملكا خاصاً للذات، أو يخالفها إذا رفضت الذات ما يحمله النص من أنماط جديدة تبعا لنوع القارئ وحجم أفقه، وعلى النص أن يستدعي قارئه النموذجي ويتوقعه، ممّا يفترض به أن يكون قادراً على إدراك النص وتفسيره منفرداً، ولهذا فإنّ فعل القراءة "ينطوي على نوع معيّن من الواحدية وهذه الواحدية هي التي تضفي على التخمين سمة التأويل " [7].