إن القراءة إذن نشاط مكثف وفعل متحرك، كما أنها ليست "مجرد صدى للنص [بل هي] احتمال من بين احتمالاته الكثيرة، والمختلفة، وليس القارئ في قراءته كالمرآة، لا دور له، إلا أن يعكس الصور والمفاهيم والمعاني، فالأحرى القول إن النص مرآة يتمرأى فيه قارئه على صورة من الصور، ويتعرف من خلاله، على نفسه بمعنى من المعاني" [11]. إن هذا ما يجعل قارئ إيزر Iser لا يعرف التوقف، فهو قارئ مشاء على حد تعبير E.Freund، وموازاة مع سير القارئ، تعرف القراءة استمرارية دون أن يعني ذلك انسياب معاني النص لأن القارئ الجيد في نظر إيزر هو الذي يتوقف بين الفينة والأخرى بقراءته لملء الفراغات التي يتركها النص، وبذلك تكون القراءة فعلا جماعيا، وحصيلة لتأويلات ومعان ودلالات مختلفة. كما يكون النص هو ما يقرر، إلى حد كبير، استجابة القارئ.
يظهر بوضوح أن نظرية التلقي من خلال فرضياتها تمزج بين أفق التوقعات التي تتحدد بتوقعات القارئ لحظة استقباله للعمل الأدبي، ونظرية التأثير التي تلغي الثنائية بين الذات والموضوع لصالح التفاعل والالتحام بينهما.
من خلال ما سبق نستنتج أن هناك تقاطعا واضحا بين نظرية التلقي والنظريات التي اهتمت بمفهوم القراءة، كما هو الحال بالنسبة لمدرسة بوردو ومدرسة إسكاربيت المنضويتين تحت لواء سوسيولوجيا الأدب، كما تظهر وشائج القربى أيضا بين هذه النظرية ونظريات أخرى كمدرسة براغ من خلال أعمال رائدها موكاروفسكي.
"إن منظور التلقي له مبرراته ومشروعيته، إنه إعادة القيمة للقارئ، وإعادة لأهمية السياق التاريخي والاجتماعي وكأنه نفي لتطرف الشكلانية وسرف البنيوية. إن جوهر منظور التلقي هو إعادة الصلة الحميمة والضرورية بين النص ومتلقيه" [12] وضمان قراءة فاعلة تفسح المجال للقارئ قصد التجول في مدائن النص وسراديبه n
[1] - رولان بارت، درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 1986، ص 81.
[2]- فولفغانغ إيزر، فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب (الأدب)، ترجمة حميد الحميداني، الجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، ص 11.
[3]- رشيد بنحدو، قراءة القراءة، مجلة وليلي، المغرب، العدد 4، السنة 1984، ص 4.
[4]- قاسم الموني، "نحو تأسيس مفهوم معاصر لقراءة النص الأدبي"، مجلة كلية التربية، العدد الخامس عشر، جامعة عين شمس، 1991، ص 72.
[5]- هانس روبرت ياوس، نظرية التلقي، ترجمة عز الدين إسماعيل، النادي الثقافي بجدة، الطبعة الأولى، ص 33.
[6]- Hans Robert Jauss : Pour une Esthtitique de la réception, Gallimard, Paris, 1978, p 50.
[7] - علي حرب: قراءة ما لم يقرأ: نقد القراءة، ضمن مجلة الفكر العربي المعاصر، ع 6، س 1989 ـ ص 41 - 52. انظر (تحديدا ص 42).
[8]- هانس روبرت ياوس، مرجع مذكور، ص 7.
[9]- فولفغانغ إيزر، مرجع مذكور، ص 12.
[10]- نبيلة إبراهيم، القارئ في النص: نظرية التأثير والاتصال، ضمن مجلة فصول، القاهرة، المجلد الخامس، العدد الأول، أكتوبر، نوفمبر-دجنبر، ص 101 - 104 وتحديدا الصفحة 103.
[11]- علي حرب، مرجع مذكور، ص 41.
[12]- رجاء عيد، ما وراء النص، مجلة علامات، السعودية، المجلد الثامن الجزء الثلاثون. شعبان 1419 هـ ديسمبر 1998، ص 179 - 193 (انظر تحديدا، ص 193).
الفهم والمسارات الافتراضية عند القارئ صبرينة بولحية - الجزائر
إنّ إطار الموضوع يشكّل أوّل عناصر المعلومات التي يفترض أن تكون مشتركة بين النص والقارئ، باعتبارها افتراضات مستمدة من المعرفة العامة، فالنص يتم إنتاجه بفعل تعاوني من القارئ، إذ أنّ أي فهم لنص ما إلا ويقتضي بالضرورة "أن نقدم في البدء فرضية، أو عدّة فرضيات سيميائية عن موضوعه" [1]. وفعل الفهم هو فعل تعميق، وذلك يتجلى في السيطرة والتحكم في الموضوع أو المعنى الذي هو أمامنا، فالمعنى لا يَتناول بل يُتناول. إنّه يأتي بطريق الفهم ويتسع بالتأويل، وهو -أي المعنى- ليس شيئا موجودا بذاته في النص بل ينتج تبعا لخط من التداعيات التي تجعل من الفهم يتم بواسطة جمع افتراضات تنشأ من جمل النص، ووضع تخمينات واستنتاجات، وكذا اختيار هذه الافتراضات ممّا يعزّز بالفعل كذلك مراجعتها.