إن القراءة هنا لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال دخول القارئ في علاقة بالمقروء. وهنا يظهر تأثر نظرية التلقي بالفلسفة الظواهرية التي كانت بمثابة رد فعل ضد الفلسفة العقلية التي تنشد الحقيقة المطلقة وفي هذا إشارة واضحة إلى تركيز الفلسفة الظواهرية على النسبية في تعاملها مع الأشياء؛ ومنها النص الأدبي الذي يأبى كل قراءة تدعي الاكتمال. "فالعمل الأدبي ليس له وجود إلا عندما يتحقق؛ وهو لا يتحقق إلا من خلال القارئ، ومن ثمة تكون عملية القراءة هي تشكيل جديد لواقع مشكل من قبل هو العمل الأدبي نفسه. وهذا الواقع المشكل في النص الأدبي لا وجود له في الواقع حيث أنه صنعة خيالية أولا وأخيرا؛ وذلك على الرغم من العلاقة الوثيقة بينه وبين الواقع. وعندئذ تنصب عملية القراءة على كيفية معالجة هذا التشكيل المحول إلى الواقع، وتتحرك على مستويات مختلفة من الواقع: واقع الحياة، وواقع النص، وواقع القارئ ثم أخيرا واقع جديد لا يتكون إلا من خلال التلاحم الشديد بين النص والقارئ" [10].
إن القراءة إذن نشاط مكثف وفعل متحرك، كما أنها ليست "مجرد صدى للنص [بل هي] احتمال من بين احتمالاته الكثيرة، والمختلفة، وليس القارئ في قراءته كالمرآة، لا دور له، إلا أن يعكس الصور والمفاهيم والمعاني، فالأحرى القول إن النص مرآة يتمرأى فيه قارئه على صورة من الصور، ويتعرف من خلاله، على نفسه بمعنى من المعاني" [11]. إن هذا ما يجعل قارئ إيزر Iser لا يعرف التوقف، فهو قارئ مشاء على حد تعبير E.Freund، وموازاة مع سير القارئ، تعرف القراءة استمرارية دون أن يعني ذلك انسياب معاني النص لأن القارئ الجيد في نظر إيزر هو الذي يتوقف بين الفينة والأخرى بقراءته لملء الفراغات التي يتركها النص، وبذلك تكون القراءة فعلا جماعيا، وحصيلة لتأويلات ومعان ودلالات مختلفة. كما يكون النص هو ما يقرر، إلى حد كبير، استجابة القارئ.
يظهر بوضوح أن نظرية التلقي من خلال فرضياتها تمزج بين أفق التوقعات التي تتحدد بتوقعات القارئ لحظة استقباله للعمل الأدبي، ونظرية التأثير التي تلغي الثنائية بين الذات والموضوع لصالح التفاعل والالتحام بينهما.
من خلال ما سبق نستنتج أن هناك تقاطعا واضحا بين نظرية التلقي والنظريات التي اهتمت بمفهوم القراءة، كما هو الحال بالنسبة لمدرسة بوردو ومدرسة إسكاربيت المنضويتين تحت لواء سوسيولوجيا الأدب، كما تظهر وشائج القربى أيضا بين هذه النظرية ونظريات أخرى كمدرسة براغ من خلال أعمال رائدها موكاروفسكي.
"إن منظور التلقي له مبرراته ومشروعيته، إنه إعادة القيمة للقارئ، وإعادة لأهمية السياق التاريخي والاجتماعي وكأنه نفي لتطرف الشكلانية وسرف البنيوية. إن جوهر منظور التلقي هو إعادة الصلة الحميمة والضرورية بين النص ومتلقيه" [12] وضمان قراءة فاعلة تفسح المجال للقارئ قصد التجول في مدائن النص وسراديبه n
6 - [1] - رولان بارت، درس السيميولوجيا، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 1986، ص 81.
[2]- فولفغانغ إيزر، فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب (الأدب)، ترجمة حميد الحميداني، الجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، ص 11.
[3]- رشيد بنحدو، قراءة القراءة، مجلة وليلي، المغرب، العدد 4، السنة 1984، ص 4.
[4]- قاسم الموني، "نحو تأسيس مفهوم معاصر لقراءة النص الأدبي"، مجلة كلية التربية، العدد الخامس عشر، جامعة عين شمس، 1991، ص 72.
[5]- هانس روبرت ياوس، نظرية التلقي، ترجمة عز الدين إسماعيل، النادي الثقافي بجدة، الطبعة الأولى، ص 33.
[6]- Hans Robert Jauss : Pour une Esthtitique de la réception, Gallimard, Paris, 1978, p 50.