ويتحدد أفق الانتظار عند كل قارئ بالعوامل التالية:
1 ـ المعرفة المسبقة للقارئ بالعمل الذي سيقبل على قراءته
2 ـ التجربة التي اكتسبها من خلال قراءته لأجناس أدبية معينة.
3 ـ الخبرة القرائية العامة للقارئ، وما تولد عنها من دراية
4 ـ إدراكه الفرق بين اللغة الشعرية واللغة العملية.
إن القارئ يحاول أن يقتحم عالم النص انطلاقا من رؤيته المحكومة بالعناصر الأربعة السالفة، في حين يسعى كاتب النص إلى خلخلة هذه الرؤية، والتشويش على القارئ، فينتج عن هذا التوتر بين العمل الأدبي وافق الانتظار ما يسمى بـ"المسافة الجمالية" هذه المسافة التي تتحدد بواسطتها ردود فعل القارئ إزاء النص والتي لا تخرج في عموميتها عن ثلاث استجابات/ردود ممكنة، يمكن أن نوجزها في الآتي:
1 ـ الرضى والارتياح: ويكون ذلك حين يقتحم القارئ عالم النص فيجد فيه انسجاما مع أفق انتظاره.
2 ـ الخيبة: يحس القارئ بالخيبة أساسا حين يحاول أن يقرأ عملا أدبيا، انطلاقا من شروط ومحددات كونها من خلال قراءته لعمل أدبي مغاير.
3 ـ التغيير: ويكون عندما يذعن القارئ للجنس الأدبي الذي يقرأه، ويستطيع أن يكون رؤية أو نظرة خاصة بالجنس الذي قرأه، وهذا يعني أن يكيف أفق انتظاره مع العمل الجديد.
داخل فلك هذه المحددات إذن يدور الحوار بين العمل الأدبي والقارئ غير أن شرط كل كتابة أصيلة أن تنزاح عن كل التوقعات والقوانين الجمالية المشكلة لأفق انتظار القارئ. وبناء على هذا المعيار يمكننا القول إن أدبية النص الأدبي لا تتحقق إلا بانزياح النص عن أفق انتظار القارئ.
إن "ياوس" واستنادا إلى المعايير السابقة يميز بين أصناف من القراء أو المتلقين إذ نجد:
*القارئ العادي
*القارئ الناقد
*الكاتب الناقد.
ومن ثمة فكل قارئ يتناول العمل الأدبي من منطلقات خاصة، وهذا ما يجعل من القراءة فعلا مختلفا ونشاطا متجددا بتجدد القراء، بل بتجدد القارئ نفسه، وهذا يعني أيضا "أن القراءة هي، في حقيقتها، نشاط فكري/لغوي مولد للتباين، منتج للاختلاف، فهي تتباين، بطبيعتها، عما تريد بيانه، وتختلف، بذاتها، عما تريد قراءته. وشرطها، بل علة وجودها وتحققها أن تكون كذلك، أي مختلفة عما تريد أن تقرأ فيه، لكن فاعلة في الوقت نفسه ومنتجة باختلافها، ولاختلافها بالذات" [7] وفي هذا دحض للقراءات التي تسعى إلى تقزيم النص.
من هنا نفهم أنه لا مجال للقراءة الواحدة الوحيدة، كما أنه لا فائدة من البحث عن قراءة تتغيا الكشف عما أراد أن يخبئه الكاتب بين السطور. بل الهدف هو التركيز على لحظة معينة تمارس فيها عملية القراءة، وهذه اللحظة نفسها تختلف أيضا باختلاف القراءة السابقة عنها، بل قد تختلف حتما عن القراءة اللاحقة، وهذا يعني التأكيد على عملية التلقي "والمقصود بالتلقي هنا هو تلقي الأدب، أي العملية المقابلة لإبداعه أو إنشائه أو كتابته، وعندئذ قد يختلط مفهوم التلقي ومفهوم الفاعلية التي يحدثها العمل، وإن كان الفرق بينهما كبيرا، حيث يرتبط التلقي بالقارئ، والفاعلية بالعمل نفسه، ومن ثمة يختلف تاريخ التلقي عن تاريخ الفاعلية" [8].
إن الشيء الأساس في قراءة عمل أدبي ما هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه وهذا يعني "أن للعمل الأدبي قطبين، قد نسميهما "القطب الفني والقطب الجمالي" الأول هو نص المؤلف والثاني هو التحقق الذي ينجزه القارئ، وفي ضوء هذا التقاطب يتضح أن العمل ذاته لا يمكن أن يكون مطابقا لا للنص ولا لتحققه بل لا بد أن يكون واقعا في مكان ما بينهما" [9]. وفي هذا إشارة واضحة إلى تركيز إيزر Iser على عملية القراءة كفعل أساس في تحقق العمل الأدبي، ولكن ليس أي قراءة، فهي قراءة من نوع خاص تسير في اتجاهين متبادلين، من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص؛ وفي هذا إقصاء لأنواع القراءة الأخرى التي تعرف مسارا واحدا ينطلق من النص ويقف عند حدود القارئ ولا يتجاوزها.