تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن ظهور هذا المفهوم القديم/الجديد سيسد الثغرة التي ظلت قائمة في مسار التاريخ الأدبي، وسيفسح مجالا أرحب لمقاربات جديدة تنضم لسابقاتها.

وسيوكل لـ"نظرية التلقي" ذات الأصول الألمانية النهوض بهذا المشروع الجديد، الذي سيخلق منعطفات جديدة في التاريخ الأدبي بوجه عام؛ وسيعمد إلى إعادة الاعتبار لمفهوم القراءة والقارئ وما يرتبط بهما.

لكن عن أي قراءة تتحدث نظرية التلقي؟

"إن القراءة هي شرط مسبق ضروري لجميع عمليات التأويل الأدبي، كما لاحظ ذلك من قبل "والترسلاتوف W.Slatoff" في كتابه بصدد القراء. يقول:

يشعر المرء بأنه سيكون مضحكا قليلا إذا كان عليه أن يبدأ بالإلحاح على أن الأعمال الأدبية توجد في جانب منها على الأقل لكي تكون مقروءة، وبأننا نقوم بالفعل بقراءتها، وإن من المفيد أن نفكر في ماذا يحدث عندما نفعل ذلك؟ ولنقل هذا بكل صراحة؛ فمثل هذه التصريحات تبدو بديهية لدرجة أنه لم تكن هناك حاجة لذكرها. مع ذلك، فإنه ليس هناك أحد ينكر مباشرة بأن للقراء والقراءة وجودا فعليا" [2].

لكن في الواقع لا نجد قراءة واحدة، بل نجد قراءات. فهناك "القراءة الأولى المقترنة باكتشاف الكتابة، والقراءة التضرعية في المسيحية، والأمر الجبريلي "إقرأ" و"القراءات السبع" في السياق الإسلامي، وتعريف النص الأدبي بأنه "ما تنقرئ فيه الكتابة، وتنكتب فيه القراءة باستمرار" في علم السرد و"قارئ الكاميط" و"القارئ المغنطيسي الكهربائي" في عالم الإلكترونيات" [3]. وهذا ما يعني أن مفهوم القراءة عرف تداولا كبيرا على مر التاريخ أكسبه تضخما دلاليا. لذلك يبدو استيفاء البحث في موضوعه واستنفاذه ضربا من المستحيل.

إن الهدف من هذه المحاولة، هو بالأساس، استجلاء خصائص مفهوم القراءة انطلاقا من أطروحات نظرية التلقي من خلال أعمال رائديها هانس روبيرت ياوس Hans Robert Jauss وفولفغانغ إيزر Wolfgang Iser.

إذا رجعنا إلى مفهوم القراءة في النظريات النقدية التي سبقت نظرية التلقي فإننا سنجده، على الرغم من تداوله الكبير، قد عرف ضيقا شديدا وانحسارا واضحا في دلالاته، إذ ظل يتحرك داخل الإطار المنهجي الذي يختاره القارئ، وهذا ما يحد من فاعلية القراءة. من هنا كانت دعوة نظرية التلقي إلى القراءة التكاملية التي: "تفرض على القارئ، خلاف غيرها، أن ينظر إلى النص بكل العيون لا بعين واحدة وأن يتحسس النص بكل الحواس لا بحاسة واحدة، المهم في كل هذا أن هذه القراءة تبصر بعيونها عيون النص، وتدرك بوعيها وعي النص، والأهم أن هذه القراءة تقرأ النص بعيونه وتتعمق في ما تخفيه تلك العيون من أسرار وسرائر لا يعرف قيمتها إلا من يكابد شوق الوصول إليه" [4]. بهذا يمكننا القول إن نظرية التلقي تشير على الإجمال إلى تحول عام من الاهتمام بالمؤلف والعمل إلى النص والقارئ، ومن ثم فإنها تستخدم بوصفها مصطلحا شاملا يستوعب مشروعات ياوس وإيزر كليهما، كما يستوعب البحث التجريبي والاشتغال التقليدي بموضوع المؤثرات" [5]. وبناء على هذا فإن القراءة من منظور هذه النظرية الجديدة نظرية التلقي تتجاوز معايير وقيم القراءات النموذجية السائدة، كما تسعى إلى تحرير النص وفك أسره من القراءات المقيدة التي تطوق معانيه. وكل ذلك نابع من اعتقاد راسخ وهو أن "العمل الأدبي حتى في لحظة صدوره، لا يكون مولودا من فراغ، فعن طريق مجموعة من الإعلانات والإشارات الظاهرة أو المستبطنة، ومن الإحالات الضمنية والخصائص المعتادة، يكون جمهوره مهيأ من قبل ليتلقاه بطريقة ما" [6].

إن هذا التهيأ والاستعداد المسبق هو ما يسميه ياوس Jauss " أفق الانتظار" الذي تفرضه التجربة الأدبية للقارئ والتي تفلت من النزعة النفسانية التي هي عرضة لها لوصف تلقي العمل والأثر الناتج عنه.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ١٨