بينما يتمظهر المستوى الثالث من ثلاثية السواد في المشهد الشعري الثالث بارتباط المرأة بالخصوبة والإثمار، من خلال الصياغة المكررة (هاأنت) والتي تقوم بدور الرابط النصي الذي يحدث تماسكاً دلالياً بين مفاصل النص الشعري، ومن ثم ترتبط المرأة (بثلاثية السواد) وهي بنية تفرز إيقاعها من خلال تكراريتها، ولكنه الإيقاع القاتم الذي يكتنز مستويات مفارقة، تجمع بين الشئ ونقيضه، بين البهجة والفرح، بين الحلم وعوامل انكساره، وهكذا تتولد ثلاثية السواد. ومع حركة التبدل الثقافي والحضاري التي تعتري الأنماط الثقافية بصفة عامة تتبدل وجهات النظر ويتبدل معها الطرح الرؤيوي، وتتحول عناصر الفحولة إلى عناصر أنثوية، يتحقق معها تأنيث النص، ويتغير معها مفهوم التلقي، ليتشكل في ظل الرؤية الأدبية وما تطرحه من تصورات شعرية، وبذلك يتحول مفهوم التلقي من التصور الجمالي القديم إلى تصور جمالي جديد: "ها أنت يا أنثى القبيلة
رحم / برغم هزائم الأعراب / يهجس بالرجولة " ص 41
نجد المرأة تخلص بملامحها لعوامل الأنوثة، إذ تحولت إلى (رحم يهجس بالرجولة) بما في ذلك من دلالة مزدوجة ومفارقة، فإذا كان الرحم يهجس بالرجولة، فإنه ينأى قليلاً عن ارتباطه بأنوثة المرأة، ليرتبط ببعد ذكوري، تتحدد دلالته بالجدب، في حين يرتبط الرحم بالخصوبة والميلاد، وهو بذلك يجمع بين عناصر الرجولة بما فيها من قوة وتحقيق البطولات .. وبين عناصر الأنوثة، التي تنجب العظماء، ومن ثم فإنه إبان الثورة المعلوماتية وعولمة الثقافة تغيرت .. وجهة نظر التلقي عن صورته المعيارية، تحولت إلى مجال أوسع، ومفاهيم جديدة تتوقف على مدى استجابة المتلقي، اعتماداً على ثقافته حين يعلن عن حضوره، وعن دوره الإبداعي في النص الشعري، الذي يتحول إلى إنتاجية جديدة، تشكل ما أطلق عليه " موكاروفسكي " (الأثر الجمالي) الذي يعمقه التشكيل الإيقاعي الراقص المنبثق نتيجة عشق الشاعر لعيني (الأنثى / القبيلة / الوطن)
ثلاثية للسواد
معلقة ..
(سراب ناصع لأمتي .. )
.. / و وطئتُ من سغبٍ غدي
كي أكتبَ الأشياء .. حالمة
أهرولُ .. كالبقيةِ
فارهاً ..
ما ملني تعبي
و قد توردتِ الفسائلُ في يديْ.
*
ها أنتِ ..
تطوافاً من الحناء يوغلُ في السديمِ
يشقُ جلبابَ الغوايةِ
مُنْكِراً وجلَ القبائلِ
راسخاً في كلِ ما ألفوا من الأسماءِ
و الأنواءِ
و الأصداءِ
و الأهواءِ
و الريحِ العقيمْ.
*
ها أنتِ .. أولُ ما أجيء
لأهزَّ غصناً من حكايتنا العظيمةِ
أو أعيدَ لها الطفولةْ.
يعتادنا في لحظةٍ وجعٌ
و يشربُ كأسَنا غِباً
.. و يطفئنا أفولهْ.
*
ها أنتِ .. يا أنثى القبيلةْ
رحمٌ - برغمِ هزائم الأعرابِ - يهجسُ بالرجولةْ.
*
.. / و عشقتُ عينيها
و جبتُ حقائقَ الأسفارِ
و الأمطارِ
و الأزهارِ
و الأذكارِ
و الأنهارِ
و الوطن الجديدْ.
*
.. / و شربتُ أشيائي
و عدتُ مجذفاً حتى رأيتُ النهرَ يطفو
و القصائدَ تشتهي لغةً ولودْ،
من ذا يشطِّرُ في محافلنا معلقة السرابِ
لتستبدَ به القيود .. ؟
أو يشتري في الليلِ ناقوساً
ليقرعَ ما طوته الذاكرة .. ؟
كي تعتلي وطني فراشاتٌ
تضيءُ طريقنا الناريْ
و تظلُ تزهر بالوعودْ…
وعود ..
(ما قيل من نزق. .)
- 1 -
سأكتب الوصية
حمراء .. كالألمْ
زرقاء .. كالشهية،
لأعتلي عرش السوادِ
و الرمادِ
و القيادِ
و الحدادْ،
مجلجلاً
و فاقعاً
وحاملاً ـ في قلق المدادْ ـ
قيثارتي العاجية.
- 2 -
سأكتب الضباب كيف كان
و وطني
و أصدقاء (ريشتي)،
و أكتب الزمانَ
و المكانَ
و " الدّنانَ "
و الجُمانَ
و الحسانْ،
وأكتب اشتياقي
و أكتب الآمال في سجائري
و كيف غادرت دفاتري
و أطفأت أوراقي.
- 3 -
سأكتب المدائن الحصينة،
و أعينَ الطريق
و العقيقَ
والحريقَ
و الغريقَ
و السفينة،
و أكتب الميلادَ في أنامل الرفاق
و أحتسي ـ في غفلة الرصيف والمقاهي ـ
أطيافه الحزينة.