تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك نجد الدال الأول (معلقة) يكتبه الشاعر متبوعا بنقطتين أفقيتين، يشيران لكلام محذوف أو ناقص، بينما يتم حصر العنوان الثاني بين قوسين ليشير إلى حبس المعاني وانحسارها، ومن ثم فإن العنوانين يتم تلقيهما من خلال عدة قراءات متغايرة تفرز تأويلات متعددة، ولا يتمكن المتلقي من هذه القراءة إلا إذا كان مهيأً نفسياً ووجدانياً وفكرياً لها، ومن ثم أفرزت آفاقاً متعددة من التلقيات وتمت القراءة من خلال خبرة القارئ ومعرفته بالأفق الثقافي القديم والمعاصر، سيما وأن العنوان الثاني قد أضاف إلى العنوان الأول أفقاً مغايراً من التوقع، هذا بالإضافة إلى أن المعاني التراثية التي يفرزها العنوان الأول معان جديدة ترتبط بخبرة المتلقي بقضايا أمته وأبعادها المعاصرة، وذلك نتيجة حالة مغايرة المستوى المرجعي للعنوانين، أي اختلاف السياق التاريخي الذي يرتبط به العنوانان، وبذا يستحضر القارئ بنية من التوقعات توحي بها هذه الإشارات العنوانية، ثم يبرز الحضور الثاني للبؤرة النصية المكررة (ها أنت ذي) في المشهد الشعري الثاني الذي ترمز فيه المرأة إلى التطلعات التي تسيطر على الشاعر لإعادة صياغة الحلم، واستدعاء عناصر العذوبة والجمال ليقاوم بها لحظات التصحر النفسي، الذي يصارع الحلم ويصرعه على عتبات الوجع يقول:

"ها أنت .. أول ما أجئ

لأهز غصناً من حكايتنا العظيمة

أو أعيد لها الطفولة

يعتادنا في لحظة وجع

ويشرب كأسنا غبّاً

ويطفئنا أفوله " ص 41

إذ تتولد جماليات تلقي المشهد الشعري نتيجة التفاعل القائم بين مفاصله التعبيرية وبين الذات المتلقية، وما ينبثق عن ذلك من تأثر وانفعال على المستوى الفكري والوجداني والنفسي، وتتأسس- بناء على ذلك - تأويلات متعددة للمشهد الشعري، تنبثق عنها رؤية جمالية خاصة، ترتكز في تكويناتها على ما ترسب في الوعي الذاتي والجماعي، ففي التعبير " هاأنت أول ما أجئ " ترمز فيه (المخاطبة / الأنثى) للأرض البكر التي تتنزل إليها الذات الشاعرة، لتشير إلى عالم النقاء الأثير، ليتعانق مستوى ذكوري يتمثل في ضمير المتكلم (أنا) مع مستوى أنثوي يتمثل في ضمير الخطاب البارز (أنت) وتتحقق بذلك حالة الخصوبة والإثمار، ولكنها خصوبة حكائية تضمر قصصاً وأحداثاً عظيمة (لأهز غصناً من حكايتنا العظيمة) بما توحي به (نا) الفاعلين من حضور (أنا الآخر) في تواشجها مع (أنا الفاعل النصي) وإشارتهما إلى تفاعل (أنا الواحد) مع (أنا الجماعة)، وهي بذلك تمثل إشارة إلى عالمين: عالم بدائي جميل تتطلع إليه الذات الشاعرة، وعالم الواقع الذي تهرب منه إلى عالم الحلم، الذي تتمثل عناصره البؤروية في (المرأة / الإثمار / الخصوبة) في مقابل رؤية استشرافية يطرحها الشاعر على الواقع من خلال استدعائه بعضاً من الحكايات، (السيرية) التي تتوازى مع الحكايات (التاريخية العظيمة). ثم تهيمن بنية التحولات الإيقاعية متخذة من الحرف (أو) في التعبير (أو أعيد لها الطفولة) أداة نبرية في السياق النصي، إذ تمثل آلية من آليات التحول الدلالي، الذي يغّير من المشهدية الحلمية، فبدلاً من أن يهز الشاعر غصناً من الحكاية العظيمة يتحول بها إلى زمن العذوبة والجمال .. إلى زمن الطفولة، لتبدأ الحكاية من جديد ويتحول دال الطفولة إلى رمز للميلاد والحلم، لكن ينكسر الحلم ويفيق الحالم على ترنيمة الوجع، وعلى الرغم من أن هذا الوجع يتولد فجأة-دون تهيئة المتلقي- في السياق الشعري إلا أن النقطة الطباعية التي يختتم بها السطر الشعري السابق تلعب دوراً دلالياً، إذ تشير إلى حالة من السكوت التي تلي اللحظة الحلمية، وكأنها تعبر عن أحداث طويلة مؤلمة أدت إلى انكسار الحلم، ومن ثم سيطرت روح المفارقة في لحظة فجائية لم يحدد المشهد الشعري ولادتها، ولكنها لحظة مستمرة تمارس سطوتها على الذات الشاعرة، من خلال النشاط الزمني الآني للصياغة الزمنية المضارعة (يعتادنا) وهي لا تكتفي بممارسة بطشها على أنا الشاعر فقط وإنما تمتد لتتطاول (أنا الآخر / أنا الأنثى / أنا الجماعة) ويتمدد البعد المفارق ليتناسل منه تشكيل صوري لحالة الجدب والانطفاء المسيطران على (أنا الشاعر / أنا الجماعة): ويشرب كأسنا غباً ويطفئنا أفوله.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ١٥