تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-لأن الأدب في حد ذاته يتشكل أدبا من لحظة القراءة و بالتالي نحو قراءة تستجيب لهذا الأدب وفق مبدأ اللذة.

-لأننا لا نستطيع أن نضع تقديرا خاصا لتطور الأدب لأنه يخضع لنفس الشروط السياسية الاجتماعية و الثقافية فهو حالة تفاعل.

ومن داخل الطاقة التكثيفية للمصطلح نطرح بديلا اصطلاحيا سبق و أن تداولته الساحة النقدية الجزائرية لنتفادى كل هذا الإشكاليات الابستيمية التي أحال عليها مصطلح الأدب الاستعجالي و يستعمل بعضهم مرادفا مفاهيميا كالأدب الإنعاشي الذي يحمل داخله الإشكالات المعرفية نفسها التي يطرحها الأدب الاستعجالي و هنا أُقترح مصطلح:"أدب الأزمة " و هو الأدب؛ أو مجموع النصوص التي كتبت أثناء الأزمة الوطنية. هذا المصطلح في تصوري يخلصنا من الالتباس الأنف و بالتالي يحيل على أزمة الإنسان الجزائري في سنوات الإرهاب.

و أتصور أن هذه المصطلحات قاصرة على أداء المفهوم حقه من الدلالة الحدثية للكتابة الإبداعية المرتبطة بهذه المرحلة لذلك أتصور أن الأليق أن نسميه " أدب الصدمة " لاعتبارات نفسية كانت بمثابة الرابط السلوكي الذي أدي إلى ظهور هذا النوع من الكتابة كحاجة للتفريغ عن الضغط السوسيو-نفسي

5 - أنثى القبيلة ومراوغة التوقعات في: معلقة السراب "لحامد بن عقيل

د. أسماء أبوبكر

د. أسماء أبوبكر

يتمتع أفق الانتظار، أو التوقع بجماليات خاصة تبعاً لنظرية التلقي، ويبرز من خلال مستويين: مستوى نمطي يرتبط بالذاكرة الجماعية، وهو أفق انتظار توقعي اعتيادي، يحقق متعة نمطية مألوفة، ومستوى حداثى يولد جمالياته الخاصة من خلال كسر أفق التوقع، وهو أفق مغاير لنمطية التلقي القانع بالمعايير التراثية، ومن ثم يعاد تأسيس هذا النمط من خلال عمليتي الهدم والبناء، هدم أفق الانتظار الاعتيادي وتأسيس أفق انتظار جديد، تهيئه التوقعات التي يفرزها النص المراوغ. ويتولد أفق الانتظار في قصيدة "ثلاثية للسواد" لحامد بن عقيل، نتيجة عملية التفاعل والتلاقح بين النص والمتلقي، ويتنوع أفق الانتظار بتنوع القارئ والقراءات، وبتنوع الخلفيات الفكرية والوجدانية للمتلقي، وهو أفق قابل للتماور والتبدل وينمو بنمو النص، إذ يتجدد مع كل قراءة تأويلية، وتتمتع القراءة الأولى بطزاجتها، ثم تصبح قابلة للتغيير وتعديل المسار، تبعاً لنوعية القراءات،،وتتولد عند المتلقي أجواء نفسية ووجدانية وفكرية خاصة، يتلقى النص من خلالها، بدءاً من العنوان الذي يمثل بؤرة النص المركزية، التي يستفتح بها المتلقي آفاق الرؤية النصية، ويرتاد من خلالها طبقات النص، متوغلاً بين سراديبه الهادئة والمضطربة، ويتوزع العنوان الرئيس للقصيدة والموسوم "ثلاثية للسواد" على ثلاثة عناوين جزئية تحدد التشكيل الطباعي الخارجي للنص:

"ثلاثية للسواد"

معلقة ..

(سراب ناصع لأمتي .. )

ويتم تقسم القصيدة إلى خمسة مشاهد شعرية، تفصل بينها نجمات ثلاث، ويتمدد أفق الانتظار من خلال مستوى شكلاني مراوغ، يرتبط تقسيمه البنائي بعنوانه الرئيس، وتتجلى هذه العلاقة من خلال ثلاثية داخلية في البنية النصية، كما يمثل خطاب الأنثى وحضورها بؤرة التعالق الدلالي مع العنوان، إذ تتدفق في النص عبر التعبير المكرر ثلاثاً (ها أنت .. ) في ثنايا ثلاثة مشاهد شعرية هي المشهد الأول والثاني والثالث، إذ يرتبط المشهد الأول بأفق توقعات تحقق المتعة والبهجة للمتلقي في التعبير:

(ها أنت ..

تطواف من الحناء يوغل في السديم)

ولكن سرعان ما تتحقق صدمة المتلقي، حين يباغت بكسر أفق هذه التوقعات في الصياغات الشعرية التي ترتبط فيها الأنثى بالغواية والإنكار والريح العقيم يقول:

راسخ في كل ما ألفوا من الأسماء

والأنواء

والأصداء

والأهواء

والريح العقيم " ص 4.

كما أن العنوان (معلقة) يستنسخ منه الشاعر عنواناً موازياً: (سراب ناصع لأمتي) ويتم تلقي العنوان الأول من خلال العودة للماضي البعيد، وفي ظل التراث الأدبي الجاهلي، وما يستدعيه العنوان- كمفتاح دلالي- من قصائد طويلة أصيلة تمثل ديوان العربي، الذي يسجل فيه يومياته وأخباره، وهذا التناص الأدبي يولد أفق انتظار، يتشكل من خلال خبرة الشاعر السابقة بشعر المعلقات، وما يثيره هذا التناص الأدبي من أفق توقعات ترتبط بالمستويات التراثية، ومن ثم يتهيأ المتلقي نفسياً ووجدانياً وفكرياً ليرتبط بعالم البداوة وبالزمن المنقي من تلوثات التكنولوجيا المعاصرة، وهذا التناص يجمع بين زمنين أولهما معاصر تفر منه الذات الشاعرة والثاني زمن أثير تحن إليه، كما يتم استحضار مكانين .. يشير أحدهما لعالم البداوة والطهر، ويشير الآخر لدلالة مناهضة لذلك. ولكن حين يتمدد البصر ليتنفس العنوان الثاني (سراب ناصع لأمتي) يتم استقبال النص الشعري من خلال سيميائية العنوان، وتتغاير مستويات التلقي وتتبدل أفق التوقعات، ويتهيأ المتلقي للاستجابة من جديد على المستوى الفني والجمالي، لتكوين أفق توقع مغاير، يرتبط بخبرته التراثية والمعاصرة عن علاقة (زمن البراءة وزمن المعلقات) بزمن (الوهم المعاصر) ويتضافر الماضي بالحاضر من خلال التعبير (سراب ناصع لأمتي) ويرتبط العنوان الأول "معلقة" بالعنوان الثاني "سراب ناصع لأمتي" على المستوى الدلائلي، إذ ترتبط المعلقة التي تكتب بماء الذهب بدال (سراب) الذي يشير للماء ولكنه (ماء الوهم) وبذلك تتمثل المفارقة بين (الذهب والسراب) (الذهب) بما يستدعيه من (ثراء وقوة) وما يرتبط به (السراب) من (وهم) وكلاهما (المعلقة والسراب) يرتبطان بالبدوي الذي تتوزع حياته بين الارتحال خلف الكلأ والماء على المستوى الواقعي والارتحال الفني على ناقته واصفاً أطلال المحبوبة ومفردات رحلته، كما يتشاكل كل من العنوان الأول مع العنوان الثاني فالدال الأول (سراب) مبتدأ خبره (لأمتي) وهو تركيب يمثل بؤرة التمركز الدلالي وكأن دلالية الخطاب الشعري إن هي إلا معلقة سراب، يضفي عليها الشاعر صفة النصاعة (سراب ناصع) مما يشير إلى تأصيل صفة الوهم، وهو تركيب يوحي بدلالات اجتماعية وفكرية معاصرة.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقع · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

_عن_التلقي_والقراءة_وأفق_التوقعص ١٤