يقول أبو قدامه : فشكرت الله على توفيقها , و علمت أن المسلمين يشعرون بواجبهم و يتكتلون ضد أعدائهم , فلما واجهنا العدو أبصرت صبيا حدثا ظننت أنه ليس أهلا للقتال لصغر سنه , فزجرته رحمة به , فقال : كيف تأمرني بالرجوع و قد قال الله تعالى " انفروا خفافا و ثقالا " قال أبو قدامه فتركته ثم أقبل علي و قال : أقرضني ثلاثة أسهم فقلت له و أنا معجب به و مشفق عليه : إني أقرضك ما تريد بشرط أن تشفع لي إني من الله عليك بالشهادة فقال : نعم إنشاء الله ثم أعطيته الأسهم الثلاثة , ثم أقبل على العدو في قوة و حماس و ما زال ينال من أعدائه و ينالون من حتى خر صريعا أقبلت عليه و سألته : هل تريد طعاما أو ماء ؟ فقال إني أحمد الله على ما صرت إليه و لكن لي إليك حاجة , فقلت له : ليس أحب إلي من قضائها فمرني بما تشاء يا بني فقال و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة الطاهرة : أقرئ أمي مني السلام ثم أدفع إليها متاعي , فقلت له : و من أمك أيها الشاب ؟ قال : أمي هي التي أعطتك شعرها ليكون قيدا لفرسك حين عجزت عن أن تقاتل بنفسها في سبيل الله تحت لوائك , قلت بارك الله فيكم من آل بيت , ثم فارق الحياة , فقمت نحوه بما يحب فلما دفنته لفظته الأرض فعاودت دفنه مرة أخرى فلفظته الأرض أيضا فأعمقت له في الحفر ثم دفنته فلفظته الأرض أيضا . فقلت لعله خرج بغير رضاء أمه فصليت ركعتين و دعوت الله أن يكشف لي من أمر ذلك الغلام , فسمعت من يقول لي : يا أبا قدامه : دع عنك و لي الله , فتركته و شأنه , و علمت أن له مع الله حالا , و بينما نحن كذلك إذ بطير قد أقبل فأكله . فتعجبت كثيرا ثم رجعت إلى أمه تنفيذا لوصيته , فلما رأتني أقبلت علي و قالت ما وراءك يا أبا قدامه ؟ هل جئتني معزيا أو مهنئا ؟
فقلت لها و ما معنى ذلك يا أمة الله ؟ فقالت إن كان ابني قد مات فقد جئتني معزيا . و إن كان قد قتل في سبيل الله و ظفر بما يطمع فيه من الشهادة فقد جئت مهنئا .