... وكان رجال البوليس كلما اشتبهوا فى شخص أو فى جماعة من المارة أوقفوهم وفتشوهم، وسألوهم إلى أين هم ذاهبون، فإذا اطمأنوا إليهم – وهذا أمر نادر – سمحوا لهم بالانصراف وإذا أرتابوا فيهم – وهذا هو الغالب قبضوا عليهم وأودعوهم غياهب المعتقلات . ولمح نفر من البوليس بعض الناس يحملون نعشا ويسيرون به بين المقابر، ولعلهم كانوا قد قدموا به من مكان بعيد يدركوا المقابر إلا بعد الغروب، فوجئ المشيعون بأسلحة تلمع فى الظلام وأصوات تأمرهمم بالوقوف وبوضع النعش على الأرض للتحقق من الميت. ورفع أحد الجنود غطاء النعش وسلط عليه ضوء مصباح كهربائى فى يده، ثم أمرهم بإعادة الغطاء وأن يمضوا فى طريقهم، بعد أن تبين للجندى الذكى أن وجه الميت يختلف عن وجه الشيخ نالبنا! وهكذا قدر للأموات أن يلقوا نصيبهم من الظلم الذى حاق بالأحياء فى ذلك العهد0
... وهكذا ظلت المقابر تنعم بالراحة والهدوء منذ الأزل حتى جاء هذا العهد فلم يسلم من ظلمه وجوره وخوفه وجهله الأموات الذين هم فى رعاية الله وبين يديه 0
بعد جنازة البنا :
... ثم اقتبس ما يلى عن جريدة ((الكتلة)) وقد نشرته تحت عنوانات مثيرة ومحزنة وهى ((القبض على كل حزين يوم مصرع الشيخ حسن البنا – حامد جودة رئيس مجلس النواب يخلع السودا فى ذلك اليوم – حملة تأديبية على المساجد بعد كل صلاة !)) ثم قالت ((الكتلة)): والغالب أن الكاتب لهذا الفصل وما سبقه هو مكرم عبيد (باشا) نفسه : -
... نحن الآن عقب جنازة الشيخ حسن البنا. وقد وصفنا لك جانبا مما حدث داخل بيت الشيخ وخارجه.. وبقى أن نصف ما وقع من حوادث أثناء سير الجنازة وبعدها أدت إلى اعتقال مئات من الناس لأسباب غريبة لا تكاد تصدق وقد حشدوا هؤلاء المظلومين حشدا داخل غرفة ضيقة عفنة هى سجن نقطة الإمامين القريبة من المدافن! وإليك بعض الأسباب التى اعتقلوهم من أجلها :