والاستاذ بديع الزمان يرى ان ماهية طبيعة الانسان لها وجهان: وجه صنم خادع من جهة، ومنشور حافل بالاسرار يعكس الحقيقة اللانهائية وأثر صانعه وخالقه. أجل فالذي له استعداد معنوي وقابلية روحية، والذي استطاع ان يمسك بزاوية النظر الصحيحة يدرك ان الانسان صنعة مزخرفة ومنشور بلوري وهو كتاب لا يضل قارؤه، وخطيب بليغ ومنبع نور يضئ ما وراء استار الاشياء ويكشفها. وهو يسوق ملاحظاته هذه بالكلمات التالية التي تبدو وكأنها أنشودة رائعة:
"ان هذه ثلاثون سنة لي مجادلة مع طاغوتين وهما: "انا" في الانسان، و"الطبيعة" في العالم ..
اما هذا، فرأيته مرآةً ظلياً حرفياً. لكن نظر الانسانُ اليه نظراً اسمياً قصدياً بالاصالة، فتفرعن عليه وتَنَمرَدَ.
واما هذه، فرأيتها صنعة الهيّة وصبغة رحمانية .. لكن نظرَ البشرُ اليها بنظر الغفلة فتحولت لهم "طبيعة" فتألّهتْ عند مادييهم. فأنشأتْ كفران النِعَم المنجرّ الى الكفر.
فللّه الشكر والحمد وبتوفيق الاحد الصمد وبفيض القرآن المجيد انتجت المجادلة قتل الطاغوتين وكسر الصنمين".
وفي عهد تكامل رسائل النور نجد هذا الموضوع الحافل بالاسرار مشروحاً بشكل مفصل وواسع وغني في المقصد الاول من الكلمة الثلاثين، وكذلك في اللمعة الثالثة والعشرين، حيث يهدم اركان فكرة عبادة الطبيعة ويقوضها من اساسها ويقتلعها من جذورها.
في منظومة فكر بديع الزمان نجد ان الذنوب والمعاصي عنده بمثابة المرشدين والدالين على طريق الكفر، ففي المواضع التي يكثر فيها هؤلاء يتجه شراع الفكر نحو الفسق وتحيط الأخطار بالايمان. أجل! "ان في ماهية المعصية - لاسيما اذا استمرت وكثرت - بذر الكفر .. اذ المعصية تولد الُفةً معها وابتلاء بها، بل تصير داءً، دواؤها الدائمى نفسها، فيتعذر تركُها. فيتمنى صاحبُها عدَم عقابٍ عليها، ويتحرى بلا شعور ما يدل على عدم العذاب، فتستمر هذه الحال حتى تنجر الى انكار العذاب وردّ دار العقاب".