ومتى رأت ما قد وعدت به من أمور الآخرة، أيقنت يقيناً لا شك معه. ولا يحصل هذا بإعادة ميت سواها. وإنما يحصل برؤية الأمر فيها.
فتبنى بنية تقبل البقاء، وتسكن جنة لا ينقضي دوامها.
فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق: لأنها آمنت بما وعدت، وصبرت بما ابتلى، سلمت لأقداره، فلم تعترض. ورأت في غيرها العبر، ثم في نفسها. فهذه هي التي يقال لها: "ارجعي إلى ربك راضيةً مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي".
فأما الشاك والكافر: فيحق لهما الدخول إلى النار واللبث فيها، لأنهما رأيا الأدلة ولم يستفيدا، ونازعا الحكيم، واعترضا عليه، فعاد شؤم كفرهما يطمس قلوبهما، فبقيت نفوسهما على ما كانت عليه.
فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا، لم تنتفع بالموت والإعادة، ودليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى: "لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه".
فنسأل الله عز وجل عقلاً مسلماً يقف على حدة، ولا يعترض على خالقه وموجده فما يستفيد إلا الخزي، نعوذ بالله ممن خذل).
الوقوف على باب الله والتضرع إليه
من خصال الإيمان أن يكون المسلم على مراقبة دائمة لله عز وجل، والوقوف ببابه والتضرع إليه، فإليه المفزع عند المصيبة، وببابه ينزل أهل الحاجات حاجاتهم وهو -سبحانه- الذي يجيب المضطر إذا دعاه؛ وصدق اللجأ إليه، -مع العمل- سلاح أي سلاح.
قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:
ينبغي للعبد أن يلازم باب مولاه على كل حال. وأن يتعلق بذيل فضله إن عصى وإن أطاع.
وليكن له أنس في خلوته به، فإن وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش كما قال الشاعر:
أمستوحش أنت مما جنيـ ت فأحسن إذا شئت واستأنس
فإن رأى نفسه مائلاً إلى الدنيا طلبها منه، أو إلى الآخرة سأله التوفيق فإن خاف ضرر ما يرومه من الدنيا سأل الله إصلاح قلبه، وطب مرضه، فإنه إذا صلح لم يطلب ما يؤذيه.
من كان هكذا في العيش الرغد، غير أن من ضرورة هذه الحال ملازمة التقوى فإنه لا يصلح الأنس إلا بها.