تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والسبب في قوله هذا، أنه رأى نقضاً بعد إحكام، فقاس الحال على أحوال الخلق؛ وهو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم.

وجوابه لو كان حاضراً أن يقال: بماذا بان لك أن النقض ليس بحكمة؟ أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك؟

وكيف يهب لك الذهن الكامل ويفوته هو الكمال؟

وهذه هي المحنة التي جرت لإبليس؛ فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله، فلو تفكر علم أن واهب العقل أعلى من العقل، وأن حكمته أوفى من كل حكيم، لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول.

فهذا إذا تأمله المنصف زال عنه الشك.

وقد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى: "أله البنات ولكم البنون" أي أجعل لنفسه الناقصات وأعطاكم الكاملين.

فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا، ونقول: هذا فعل عالم حكيم، ولكن ما يبين لنا معناه.

وليس هذا بعجب: فإن موسى عليه السلام خفي عليه الحكمة في نقض السفينة الصحيحة، وقتل الغلام الجميل، فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن, فليكن المرء مع الخالق، كموسى مع الخضر.

أولسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام الظريف يقطع ويمضغ، ويصير إلى ما نعلم. ولسنا نملك ترك تلك الأفعال ولا ننكر الإفساد له، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه.

ومن أجهل الجهال: العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه، فإن فرضه للتسليم لا الاعتراض.

ولو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل وتسليمه لكفى.

ولقد تأملت حالة عجيبة، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي، وذلك أن الخالق سبحانه غيب في غيب لا يدركه الإحساس؛ فلو أنه لم ينقض تلك البنية لتخايل للإنسان أنه صنع بلا صانع.

فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد، وتدرك عجائب الأمور بعد رحيلها.

فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها، وتذكرت حالها في الدنيا -فإن الذكريات تعاد كما تعاد الأبدان- فيقول قائلهم: "إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين".

موسوعة وصايا للدعاة الى الله · الصفحة ٤١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة وصايا للدعاة الى اللهص ٤١٦٢