فلما أراد الله به خيرا، استجاب لدعوة الحق في وقت كان المسلمون يعانون من أذى الشركين وتسلطهم، فدخل مصعب بن عمير إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه، وخرج فكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فكان يتردد إلى رسول الله سرا.
لقد أسلم مصعب رضي الله عنه مع علمه أن طريق الدعوة في هذا الظرف؛ وفي كل ظرف طريق شاق محفوف بالمكاره، مملوء بالصعاب، ولكن بالصبر والإيمان واليقين ينال ما عند الله من الثواب والنصر المبين، وهذا ما حصل لمصعب فقد قاسى الفقر والجوع بعد حالة الغنى والشبع، وتعرض لمحنة الأهل والأقارب والعشيرة، الذين أرادوا صده عن دينه لولا تثبيت الله له.
قال أهل السير: لما أسلم مصعب أصابه من الشدة ما غير لونه، وأذهب لحمه، وأنهك جسمه، ثم صب عليه العذاب، وقيد في الأصفاد بعد أن كان حرا سيدا، فأخذه أهله وقومه وحبسوه، فلم يزل محبوسا إلى أن هاجر إلى الحبشة، واستمع إلى سعد بن أبي وقاص وهو يصف شدة الأمر على مصعب الذي لم يعتد إلا الرعاية وحسن المطعم والملبس من أبويه يقول سعد عن المحنة التي أصابت المسلمين في مكة في حصار الشعب: (فأما مصعب بن عمير فإنه كان أشرف غلام بمكة بين أبويه فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير تطاير جلد الحية، ولقد رأيته ينقطع به فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسي ثم نحمله على عواتقنا).
الله أكبر! هكذا يفضل مصعب حياة الفقر والشدة مع الإيمان، على الرفاهية ورغد العيش مع الكفر، وهو بهذا قدوة لكل شاب مؤمن يتعالى على متع الحياة وشهواتها التي تقطعه عن الله والدار الآخرة.