أما بعد:
فقد سعد - والله - من لزم تقوى الله و أفلح من تمسك بدينه، ولم يغترر بمناهج الحياة، وفاز من عمل وأيقن أنما الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار.
أيها الأخوة: كل أمة لها ميزان تزن به أفرادها: وميزان أمة الإسلام الذي يوزن به الرجال، هو مقدار ما يحملونه من الدين والإيمان، والعفة والقرآن، والتقوى واليقين، والدعوة والجهاد، فمن كان اتقى، كان بالمجد والهدى أجدر وأولى، والإنسان- الذي نور الله بصيرته- إذا أبصر الحق والهدى تعلق به، وجاهد من أجله، بل هجرله الأهل والأوطان، وسائر متع الحياة الزائفة وهذا ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما ذلكم الشاب التقي مصعب بن عمير رضي الله عنه: الذي نور الله قلبه، فأسلم طائعا وهاجر معلما وداعيا، ومات شهيدا مجاهدا، إنه الشاب الذي حمل أعباء الدعوة إلى الله عقيدة وسلوكا وعذابا وجهادا، فحينما لامس الإيمان شغاف قلبه انسلخ من الجاهلية، وصار حنيفا مسلما موحدا، نعم إنه مصعب بن عمير: الذي كان في ذروة قريش حسبا ونسبا
نشأ من أبوين كانا يحبانه حبا شديدا، ويغدقان عليه صنوف النعم، حتى أنه كان يعرف في مكة بأنه أعطر أهل مكة، يلبس أحسن النعال وأفضل الثياب، ويأكل أطيب الطعام، واشتهر في مكة بأنه الشاب الذي يمتلئ حيوية وجمالا، يؤكد ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه بعد إسلامه وعليه ثوب غليظ، فقال: ((انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه، لقد رأيته عليه حلة شراها بمائتي درهم فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون)).
ومما يروى عنه أيضا قوله: ((ما رأيت بمكة أحدا أحسن لمة وأرق حلة ولا أنعم من مصعب بن عمير)).