وبينما كان الرشيد يوماً في مجلِسِ الخلافة سأل يحيى ابنَ أكثم: ما أنبلُ المراتب؟ قال يحيى: قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين. قال: فتعرفُ أجلّ مني؟ قلت: لا. قال: لكني أعرفه؛ رجلٌ في حلْقه يقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال قلت: يا أمير المؤمنين أهذا خير منك وأنت ابنُ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليُّ عهد المؤمنين؟ قال: نعم، ويلَك هذا خير مني؛ لأن اسمه مقترن باسم رسول الله لا يموت أبدا، ونحن نموت ونفني والعلماء باقون ما بقي الدهر. رواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث.
ولما قَدِم هارون الرشيد الرَّقة انجفل الناس خَلْفَ عبدِ الله بنِ المبارك و تقطعت النعال وارتفعت الغَبَرَة، فأشرفت أمُّ ولدِ أمير المؤمنين من برجٍ من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟
قالوا: عالمٌ من أهل خراسان قدم الرَّقة يُقال له: عبدُ الله بنُ المبارك، فقالت: هذا والله الملك! لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.
رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد.
وقال أبو الحسن بن فارس: سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوةً ألذَّ من الرياسة والوزارة التي أنا فيها حتى شهدت مذاكرة سليمانَ ابنِ أيوب بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجِعَابي بحضرتي فكان الطبراني يَغلب بكثرة حفظه، وكان الجعابي يَغلب الطبراني بفطنته وذكاء أهل بغداد، حتى ارتفعت أصواتُهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبَه فقال الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هاتِه، فقال: حدثنا أبو خليفة حدثنا سليمان بن أيوب وحدّث بالحديث، فقال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب ومني سمع أبو خليفة، فاسمع مِنِّي حتى يعلو إسنادك!
فإنك تروي عن أبي خليفة عني، فخجل الجعابي وغلبه الطبراني.