وقال في موضع ثالث: شيخ الإسلام - يعني الهروي - حبيبنا ولكن الحق أحب إلينا منه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول: عمله خير من علمه، وصدق -رحمه الله - فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشقُّ له فيها غبار، وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله، وأبى الله أن يكسو ثوب العصمة لغير الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
وتلك الأخطاء لو وجدها صبيان الصحف لطاروا بها ولطيّروها، ولَبَنَوْا عليها قصوراً، ولَشيّدوا عليها منارات، يظنّون أنهم بهذا الفعل أتوا بما لم تأت به الأوائل!
فهذا شيء من إنصافه، وله وصيةٌ في ذلك.
قال - رحمه الله -: فإذا أردت الاطلاع على كُنه المعنى هل هو حق أو باطل فجرِّده من لباس العبارة، وجرِّد قلبك عن النفرة والميل ثم أعط النظر حقه، ناظرا بعين الإنصاف، ولا تكن ممن ينظر في مقالة أصحابه ومن يحسن ظنه نظرا تامّاً بكل قلبه، ثم ينظر في مقالة خصومه وممن يسيء ظنه به كنظر الشّزَر والملاحظة، فالناظر بعين العداوة يرى المحاسن مساوئ، والناظر بعين المحبة عكسه، وما سلم من هذا إلا من أراد الله كرامته وارتضاه لقبول الحق. اهـ.
فما أحوجنا إلى هذا الأدب من هذا العالِم الرّباني، وما أحوج الناس إلى الإنصاف، وطلاّب العلم على وجه الخصوص.
وقد ألّف ابن القيم - رحمه الله - في شتى العلوم، في التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلله ورجاله والفقه وأصوله، واللغة، والسلوك والأخلاق، وله كتاب في الفروسية، وله كتاب شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل كتاب حافل نافع في بابه لم يُسبق إلى مثله، أفاد وأجاد فيه، وله كتاب جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الآنام صلى الله عليه وسلم، وهو كتابٌ فريدٌ في بابه كذلك، وألّف كُتباً في الفوائد التي كان ينتقيها ويجمعها بين الحين والآخر، مثل: كتاب بدائع الفوائد، وكتاب الفوائد.