وقال عنه تلميذُه الآخر ابن رجب: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجُّد وطول صلاةٍ إلى الغاية القصوى، وتألُّهٍ ولهْجٍ بالذِّكر، وشغفٍ بالمحبة والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله والانكسار له ... ولا رأيتُ أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسُّنّة وحقائق
الإيمان أعلم منه، وليس هو المعصوم ولكن لم أرَ في معناه مثله.
طلبُه للعلم:
طلب العلم صغيراً، فقد بدأ في طلب العلم وعمره سبع سنوات، كما ذكر ذلك في كتابه النافع الماتع (زاد المعاد في هدي خير العباد صلى الله عليه وسلم) فقد ذَكَر أنه سمِع من شيخه الشهاب العابر، وشيخُه هذا توفي سنة (697 هـ) وابن القيم وُلِدَ سنة (691) كما تقدّم.
وكان ابن القيم في أولِ حياته قد تأثّر ببعض أقوال أهل البدع إلى أن قيّض الله له شيخَ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على ما ذَكَرَ هو في النونية حيث قال:
يا قومُ واللهِ العظيم نصيحةٌ *** من مشفق وأخٍ لكم مِعوانِ
جرّبت هذا كلَّه ووقعت في*** تلك الشباك وكنت ذا طيرانِ
حتى أتاح لي الإله بفضله *** من ليس تجزيه يدي ولساني
حبرٌ أتى من أرض حرّان فيا *** أهلا بمن قد جاء من حران
فالله يجزيه الذي هو أهلُه *** من جنة المأوى مع الرضوان
أخَذّتْ يداه يدي وسار فلم يَرُم *** حتى أراني مَطْلَعَ الإيمان
ورأيت أعلام المدينة حولها *** نزل الهدى وعساكر القرآن
ورأيت آثارا عظيما شأنُها *** محجوبةً عن زمرة العميان
ووردت رأس الماء أبيض صافيا *** حصباؤه كلالئ التيجان
ورأيت أكوابا هناك كثيرةً *** مثل النجوم لواردٍ ظمآن
ورأيت حوض الكوثر الصافي الذي *** لا زال يشخب فيه ميزابان
ميزابُ سنته وقولُ إلهه *** وهما مدى الأيام لا يَنيان
والناس لا يردونه إلا من الـ *** آلاف أفرادا ذوو إيمان
وردوا عِذاب مناهل أكرِم بها *** ووردتم أنتم عذاب هوان