إن ما عرضناه في الصفحات السابقة من خلل في التصور الإيماني وجهل بمنهاج الله وجهل بالواقع أدى بصورة حتمية إلى اضطراب الممارسة في الواقع كما عرضنا قبل قليل. ومن أهم مظاهر هذا الاضطراب هو غياب " الميزان " من أيدي الناس، وغيابه عن فكرهم وعملهم، ولأهمية وجود " الميزان " في واقع الحياة أفردنا له فقرة خاصة للتأكيد، وليكون إفراده هنا سبباً في تقدير خطورة هذا الأمر، وأهمية بنائه في واقع المسلمين.
" الميزان " الذي نعنيه هو ما تحدّد به منازل الناس وأقدارهم، ووسعهم وطاقتهم. إنه مجموعة الأسس الإيمانية والقواعد الربانيّة التي تضبط حكم الناس على الناس، واختيارهم لهذا الأمر أو ذاك.
لقد كشفت ممارسة الانتخابات في واقع المسلمين خطورة غياب هذا الميزان، فصار الناس يتقدّمون بأموالهم وأنسابهم، وعائلاتهم وعلاقاتهم ومصالحهم، وأحزابهم، ومدى قوّتهم ونفوذهم من خلال ذلك كلّه. وأصبحت قواعد " اللعبة " الديمقراطية، كما يُسمّونها، هي التي تسود وتحكم، وترفع وتخفض، بدلاً من القواعد الإيمانية التي اختفت من الصدور ومن ميدان الممارسة.
لم يكن الانتخابات هي الساحة الوحيدة التي غاب عنها الميزان. فقد غاب الميزان عن معظم الساحات إن لم يكن كلّها. وصار من السهل تسرّب قواعد مضطربة وعلاقات متشابكة لتحكم في ساحة الممارسة والتطبيق، حتى ولو حملت شعاراً إسلاميّاً.