652 - سورة المعارج
من السور المكية، وموضوعها لذلك: العقيدة الإسلامية؛ ومدارها: حول القيامة وأهوالها، وأحوال المؤمنين والمجرمين فيها، ومن قبل ذلك في الدنيا، والإنسان عموما إذا مسّه الخير أو الشر، وأوصاف الناجين في الآخرة، والكفّار في مكة خصوصا ونفورهم من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمره له بالصبر عليهم، وترك أمرهم لله حتى يلاقوا يوم البعث الذي يوعدون. والسورة نزلت بعد الحاقة، وهي السبعون في ترتيب المصحف، والتاسعة والسبعون في النزول، وآياتها أربعة وأربعون، واسمها المعارج مما جاء بها من وصفه تعالى بأنه ذو المعارج، أي ذو العلوّ والدرجات الفواضل والنّعم، وذو العظمة والعلاء. والمعارج: هي مراتب إنعامه على الخلق، وهي المعروفة بمعارج السماء، أو معارج الملائكة والروح، تعرج إلى السماء ما بين أسفل الأرض إلى عرشه تعالى مسيرة خمسين ألف سنة، والعدد للتمثيل لا للحصر، بدليل أنه في آية أخرى يقول: (يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (5) (السجدة)، ومع ذلك فالأقوال في هذا العدد رجم بالغيب، فالخمسون ألف سنة يمكن أن تكون المدة التي يستغرقها نزول الملائكة والروح - أي جبريل - من السماء الدنيا إلى الأرض، أو هي مدة رحلة الملائكة والروح من يوم خلق الله الأرض إلى يوم القيامة حين اللقاء به تعالى، أو هي عمر يوم الحساب يستنفده الملائكة والروح محسوبا بسنين الدنيا، وكلها اجتهادات في التفسير عن ظن وليس عن علم، وفي الحديث: «يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين، ولذلك سمّى نفسه سريع الحساب وأسرع الحاسبين»، وكما يرزق الله الناس في ساعة، فكذلك يحاسبهم في لحظة، وإنما على قدر الفهوم تكون الظنون، وهو تعالى القائل: (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ) (لقمان 28). وأجمل ما يقال من التفسير في التناقض بين أن يكون هذا اليوم، مرة خمسين ألف سنة، ومرة ألف سنة، أن هذين اليومين هما من أيام الله، يقدرهما بتقديره، وهو أعلم بما يكونان، ولا يحسن أن يقال فيهما بما لا نعلم، والغالب الذي نرجّحه: أن العدد في الآيتين لتصوير طولهما، تصويرا نفسيا يكاد يكون كالواقع، ويوصف بما يوصف به الواقع، تهويلا وتقريبا للأفهام، والعرب يصفون ما لا يقدرون على عدّه، أو ما لا يحتملون مشقته وشدّته - بالطول، كما يصفون ما يحبون أن يستمر معهم من الأوقات المرغوبة بالقصر.
وتبدأ السورة بقوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) (1)، لأن نزولها كان لدعوة الكافرين بالعذاب يقع عليهم كبرهان على صدق النبيّ صلى الله عليه وسلم بما يخبرهم به عن البعث وعذاب يوم القيامة، قيل إن السائل: هو النضر بن الحارث، قال: (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ
745