عن مصارف الصدقة نزلت الآية بالجواب فيما ينبغي تجاه هذه الطبقات المستضعفة في المجتمع كمثال، وليس على سبيل العدّ والحصر، ثم كان سؤالهم مرة ثانية وإنما هذه المرة عن مقدار النفقة، وهو قوله: (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة 219)، فلمّا عيّن لهم مصارف النفقة في الآية الأولى، سألوا في الآية الثانية: كم ينفقون؟ فنزلت: «قل العفو» أي مما فضل عن حوائجهم، وفي الحديث: «خير الصدقة ما أنفقت عن غنى».
* * *
2243 - الفرق بين إنفاق المسلم وغير المسلم
المسلم ينفق لله كقوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (265) (البقرة)، وغير المسلم ينفق رياء، أو بوازع سياسي أو اجتماعي: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (264) (البقرة)، والأول تهمّه مرضاة الله، ويتثبت لذلك أين يضع صدقته، وأما الذي ينفق لغير ذلك من الأسباب فهو لما ذهب إليه من الإنفاق، كما في الحديث عن الذي يحج، فحجّه لما ذهب إليه، إن كان لله، أو للتجارة والمنافع، أو لامرأة ينكحها. والمسلم ينفق تصديقا ويقينا واحتسابا من نفسه.
* * *
2244 - المنّ والأذى يبطل الصدقة
فى الآية: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ) (264) (البقرة) يشبّه الله تعالى المنّ والأذى بالصدقة، بإنفاق الكافر المرائي، وفي الأمثال: ومن منّ بمعروفه سقط شكره، من أعجب بعمله حبط أجره، ويقال عن يد من يمنّ: «يده سوداء»، ولمن يعطى من غير مسألة: «يده بيضاء»، ولمن يعطى عن مسألة: «يده خضراء». وفي الحديث: «إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر»، ثم تلا: «لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى».
* * *
2245 - الإنفاق من الطيبات
المأمور به في الإنفاق أن يكون من الطيبات، كقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) (267) (البقرة)، والمراد بالإنفاق الزكاة المفروضة وكذلك التطوع، والآية خطاب لجميع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، وتعم الوجهين، والأمر في الزكاة على الوجوب، وليس كذلك في التطوع، وفي الحالتين تنهى الآية عن الإنفاق من المال الخبيث، وهو نقيض المال الطيب، وأى كسب في الإسلام ينبغي أن يكون من الحلال، ويتوجه إلى الحلال، وإنفاقه
1118