الشك يورث الجحد والتكذيب، والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائدهم، والمعنى أن قلوبهم مرضى لخلوها عن العصمة والتوفيق والرعاية والتأييد. والمرض كل ما خرج به الإنسان عن حدّ الصحة، وأخطر الأمراض ما كان نفسيا، والقلب المريض لا يعني أن مرضه عضوى ولكنه نفسي، فإذا اعتلت النفس لم تر الأمور كما هي وارتابت فيها، فيزيد مرضها، ويزيد الشك بها، وهو الذي يقعد بصاحبه عن أي عمل، فيضعف عن الانتصار، ويعجز عن القدرة، ويكله الله إلى نفسه، فيجمع عليه هموم الدنيا فلا يتفرغ إلى الاهتمام بدينه. وعلل القلوب من اتّباع الهوى، كما أن علل الجوارح من أمراض البدن.
* * *
1451 - القلب وفضله على الجوارح
تأتي مادة قلب في القرآن 132 مرة، ويوصف بصفات فيقال: القلب الغليظ، والسليم، والمنيب، والذاكر، والمختوم عليه، والمخاصم اللدود، والآثم، والمؤمن، والمريض، والمهدي، والمربوط عليه، والمطمئن، والمطبوع، والمرعوب، والكافر، والذي لا يفقه، والزائغ، والمعتدى، والمجرم، والتّقى، والعاقل، والأعمى، والمتقلّب، وغير العالم، وبالغ الحنجرة، والمشمئز، والكاظم، والمقفل، والساكن، والرائف الرحيم، والصاغى، والقاسى، والمتألّف، والممحّص، والخيّر، والمتعمّد، والمطهّر، والمزيّن له، والأغلف، والمغلول، والمشرب العجل، والمحسور، وغير المؤمن، والمغيظ، والمنافق، والمصروف، والمشدود عليه، والمنكر، والمكنون، واللاهى، والوجل، والمخبوت، والمغمور، والمفزوع، والليّن، والجاهل، والخاشع، والمشتّت، والطاهر، والمريّن. فهذه ستون صفة للقلب، وذلك دليل على فضل القلب على كل الجوارح. وهو للإنسان ولغير الإنسان، وخالص كل شيء وأشرفه قلبه، فهو موضع الفكر، وأصله مصدر قلبت الشيء إذا رددته على بداءته، ونقل اللفظ وسمى به العضو الذي هو أشرف الأعضاء، لسرعة ما يرد إليه من الخواطر وترددها عليه، كقول القائل:
ما سمى القلب إلا من تقلّبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل
وفي الحديث: «مثل القلب مثل ريشة تقلبها الرياح بفلاة»، وفي الدعاء: «اللهم يا مثبّت القلوب، ثبّت قلوبنا على طاعتك»، وفي القرآن: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (24) (الأنفال). ورغم أن الجوارح تابعة للقلب وهو رئيسها، إلا أنه يتأثر بها للارتباط بين الظاهر والباطن، وفي الحديث: «إن الرجل ليصدق فتنكت في قلبه نكتة بيضاء. وإن الرجل ليكذب الكذبة فيسوّد قلبه» رواه الترمذى، وسواد القلب هو الرّين في
554