فى المدينة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأظهر الإسلام بعد بدر، ولكن إسلامه كان تقية، ولما تهيأ النبيّ صلى الله عليه وسلم لأحد، انخذل عنه ومعه ثلاثمائة رجل، وعاد إلى المدينة، ثم كرر فعلته يوم تبوك، وكلما حلّت بالمسلمين نازلة أبدى الشماتة فيهم، وإذا سمع سيئة تروى عنهم أو تنسب إليهم أذاعها ونشرها، وله في ذلك أخبار، ومنها حديث الإفك المشهور، وما روّجوا على عائشة أم المؤمنين حتى اتهموها في صفوان بن المعطل، وكان عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين المروّجين للإفك، ولذا وصفه القرآن فقال: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ) (11) (النور)، ولقد قيل إن النبيّ صلى الله عليه وسلم حدّه ثمانين جلدة، والصحيح أنه لم يحدّ، لا هو ولا أي من أصحاب الإفك، لأن الحدود لا تقام إلا بالإقرار أو البينة، ولم يكن هناك إقرار ولا بينة، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يتعبّده الله أن يقيم الحدود بإخباره عنها، كما لم يتعبّده بقتل المنافقين وقد أخبره بكفرهم كما جاء في سورة التوبة، يقول: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (74) (التوبة)، قيل نزلت في عبد الله بن أبيّ، قال: ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال قائل: تسمّن كلبك يأكلك! ولئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ!» وفي رواية أخرى: أن عبد الله أبيّ قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضّوا؛ وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ، فلمّا واجههم النبيّ صلى الله عليه وسلم أنكر وجحد وأقسم أنه ما قاله، فنزلت الآية: (لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (7) (المنافقون)، والآية: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) (8) (المنافقون)، وفضحت سورتا «التوبة»، و «المنافقون» عبد الله بن أبي ومن ذهب مذهبه في النفاق. و «كلمة الكفر» في الآية هي قول عبد الله بن أبي: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ) (8)؛ وقوله تعالى: «كفروا بعد إسلامهم» أي ارتدوا، فدلّ على أن المنافق كافر، والكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة، بالمقارنة إلى الإيمان الذي لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال، وقوله تعالى: (وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) (التوبة 74) يعني المنافقين وكبيرهم عبد الله بن أبيّ، فقد دبّروا لقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة - في غزوة تبوك، وكانوا اثنى عشر رجلا سمّاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأسمائهم، ولمّا سأله حذيفة: ألا تبعث إليهم لتقتلهم؟ قال: «أكره أن تقول العرب لمّا ظفر محمد بأصحابه أقبل يقتلهم». وقال:
«بل يكفيهم لله بالدّبيلة»، سأله: ما الدبيلة؟ قال: «شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه» أخرجه مسلم، يعني: أنه ترك عقاب نفاقهم إلى الله: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً
538