وإن أظهر شيئا من ذلك فلغرض، ودليلنا إليه أنه شكّاك، وضعيف في اعتقاده، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه، وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الجبل وهو أعلاه، والتزامه بمعتقده طالما فيه منفعة له، ففي الدين هو يعبد الله في السرّاء دون الضرّاء، ولو عبد الله على الشكر في السرّاء، والصبر في الضرّاء لما كانت عبادته له على حرف. وقيل: المنافق يعبد الله على حرف، يعني بشرط، وكان شيبة بن ربيعة يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم الدعوة له ليرزقه الله المال والولد ليؤمن به، وليعدل إلى دينه، فدعا له فآمن، ثم أراد الله أن يفتنه فأخذ منه ما رزقه، فارتد عن الإسلام، فذلك إذن الذي يؤمن على حرف، وتلك علامته.
* * *
1431 - ومن الناس من يعجبك قوله
قيل في الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (204) (البقرة) أن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ويشترون الدنيا بالدين، ويغترّون بالله، ويجترئون عليه. ويعلمنا علم النفس الإسلامي الاحتياط في أمور الدين والدنيا، واستبراء الناس إلا ان يكونوا من نوع هؤلاء الذين تحذّر منهم الآية، ولهؤلاء سيكولوجية خاصة ينبغي العلم بها، والحصيف من لا يأخذ بظاهر أحوال الناس، وما يبدون من الإيمان والصلاح، الى أن يبحث عن بواطنهم، والآية وغيرها تحذّر من هذا النمط من أنماط النفاق؛ وهو النمط الذي يظهر الأقوال الجميلة وهو ينوى الأفعال القبيحة وفي قلبه ألد الخصام، وفي الحديث: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم».
* * *
1432 - المنافق تأخذه العزة بالإثم
المنافق لا يسمع لنصح، وآية نفاقه الكبر والزهو، كقوله تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ) (206) (البقرة)، وكفى بالمرء إثما أن يقول له أخوه: اتّق الله، فيقول: عليك بنفسك، مثلك يوصينى! واعتزازه بنفسه يوقعه في الإثم.
* * *
1433 - رأس النفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول: دراسة في شخصية المنافق
هو عبد الله بن أبيّ بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجى، وكنيته أبو الحباب، وشهرته ابن سلول، وسلول هي جدته لأبيه، وكان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، ورأس المنافقين
537