والأبوة، وفيها جحد التربية التي اختصّاه بها، وكذلك ردّ الوصية كما أنزلها الله تعالى في كتابه. وأفّ كلمة مقولة لكل شيء مرفوض، ولذلك قالها إبراهيم لقومه: (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (67) (الأنبياء). وقوله تعالى: (وَلا تَنْهَرْهُما) (الإسراء 23)، النّهر هو الزجر؛ (وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء 23) أي ليّنا، مثل أبتاه، وأمّاه؛ (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء 24): استعارة في الشفقة والرحمة، شبّه الرحمة بخفض جناح الطائر حين ينتصب به لولده؛ والذل: الانكسار، والانقياد، والتواضع، والرقة، وكأنك الخادم مع السيد، أو الرعية مع الأمير، وفي الحديث: «لا يجزى ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه»؛ وقوله: (كَما رَبَّيانِي) (الإسراء 23)، خصّ التربية ليتذكر الولد مشقة الوالدين وتعبهما في التربية، فيزداد إشفاقا لهما، وحنانا عليهما؛ «وقل ربّ ارحمهما»، هو دعاء لهما، وفي الحديث: «ومن أمسى وأصبح مرضيا لوالديه، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن واحدا فواحدا؛ ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار، وإن واحدا فواحدا»، فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال: «وإن ظلماه، وإن ظلماه، وإن ظلماه». أخرجه الدارقطنى. ولمّا اشتكى الابن أباه أنه يأخذ ماله، أحضره النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسأله لماذا يشكوه ابنه؟ ولماذا يأخذ ماله؟ فقال الأب أبياتا من الشعر منها:
فلمّا بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتى ... فعلت كما الجار المصاقب يفعل
فأوليتنى حقّ الجوار ولم تكن ... عليّ بمال دون مالك تبخل
فحينئذ أخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه: وقال: «أنت ومالك لأبيك». وأما قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ) (الإسراء 25)، أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، أو من جعل ظاهر برّهما رياء، كقوله تعالى: (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً) (25) (الإسراء) يعني إن صدقتم في نية البرّ بالوالدين فإن الله يغفر البادرة، ووعد بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة. فهذه من الوصايا التربوية للقرآن في معاملة الابن لوالديه، ولا عقوبة على الابن العاق؛ وفي اليهودية لا نصائح، ولا وعظ، ولا وصايا بخصوص ذلك، وإنما تعنى شريعتهم بالأحكام، وفي سفر تثنيه الاشتراع يأتي عن ذلك: إذا كان لرجل ابن عاق مارد لا يطيع
518